الثقافيةالرئيسيةليلة دينية

مداغ… حين يلتقي نور الروح بأفق الحضارة في الملتقى العالمي للتصوف

جريدة احداث الساعة 24 // : الباحث الدكتور حسن بويزدوزان – هولندا

في ربوع قرية مداغ بإقليم بركان، حيث تتعانق الأرض المغربية مع نسائم الروح، ويختلط عبق التاريخ بنفحات الذكر، ينعقد الملتقى العالمي للتصوف ليكون موعدًا سنويًا يتجدد فيه الحوار بين القلوب والعقول، وتلتقي فيه الأرواح الباحثة عن المعنى مع الأقلام الساعية إلى الحكمة.

هذا الملتقى ليس مجرد تظاهرة علمية أو لقاء فكري عابر، بل هو فضاء رحب للمعرفة الروحية، ومنبر للحوار الحضاري، وجسر يمتد بين مختلف الثقافات والأديان، يحمل رسالة المحبة والسلام، ويؤكد أن التصوف في جوهره تربية للنفس، وسمو بالأخلاق، وسعي إلى بناء الإنسان المتوازن الذي يجمع بين الإيمان والعمل، وبين المعرفة والرحمة.

وقد كان لي شرف المشاركة في هذا الملتقى في دورات متعددة، فوجدت في رحابه مناخًا علميًا وروحيًا فريدًا، تتلاقى فيه الأفكار وتتآلف فيه الرؤى، ويصبح الحوار سبيلًا لاكتشاف المشتركات الإنسانية التي تجمع بين أبناء العالم على اختلاف مشاربهم.

الرعاية الملكية… مظلة الحكمة والاعتدال

ويكتسب هذا الملتقى ألقًا خاصًا بفضل الرعاية السامية التي يحظى بها من صاحب الجلالة الملك محمد السادس حفظه الله ورعاه ونصره ونفع به البلاد والعباد، الراعي لمختلف دورات الملتقى. إن هذه الرعاية الملكية ليست مجرد دعم رسمي، بل هي تعبير عن رؤية حضارية متبصرة تؤمن بأهمية البعد الروحي في ترسيخ الاستقرار، وتعزيز قيم الاعتدال، وحماية المجتمعات من الانحرافات الفكرية والتطرف.

لقد جعلت هذه الرعاية السامية من الملتقى منصة عالمية تعكس المكانة التي يحتلها المغرب في مجال نشر الإسلام الوسطي المعتدل، وتقديم نموذج حضاري يجمع بين أصالة المرجعية الدينية وروح الانفتاح على العالم.

فضل الشيخ المربي سيدي الدكتور منير القادري بودشيش

كما لا يمكن الحديث عن الملتقى العالمي للتصوف دون الوقوف بإجلال عند الدور البارز الذي يقوم به الشيخ المربي سيدي الدكتور منير القادري بودشيش، شيخ الطريقة القادرية البودشيشية ورئيس مؤسسة الملتقى. فقد أسهمت رؤيته الروحية والفكرية في جعل مداغ قبلة للباحثين عن الحكمة، ومنبرًا للحوار الهادئ الذي يربط بين المعرفة الروحية وخدمة الإنسان والمجتمع.

لقد كان للشيخ المربي فضل كبير في ترسيخ رسالة الملتقى القائمة على نشر قيم المحبة والتسامح والإحسان، وإبراز التصوف باعتباره مدرسة تربوية تهدف إلى تهذيب النفس، وتطهير القلب، وربط الإنسان بخالقه وبإخوانه في الإنسانية بروابط الرحمة والمودة.

الدبلوماسية الروحية في مواجهة تحديات العصر

يدور محور الملتقى حول موضوع الدبلوماسية الروحية بوصفها مدخلًا مهمًا لتعزيز الحوار بين الثقافات والأديان، وبناء جسور التفاهم بين الشعوب. فالعالم اليوم، رغم ما حققه من تقدم مادي، لا يزال في حاجة ماسة إلى خطاب روحي يبعث الطمأنينة في النفوس، ويعيد للإنسان توازنه الداخلي، ويجعل من القيم الأخلاقية أساسًا للتعايش والتعاون.

كما يركز الملتقى من خلال ما يتناوله في مختلف دوراته عن أهمية محاربة التطرف ونشر التدين المعتدل، القائم على الثوابت الدينية التي شكلت عبر التاريخ أساس النموذج المغربي في تدبير الشأن الديني، والمتمثلة في العقيدة السنية الأشعرية، والفقه المالكي، والتصوف الجنيدي. وهذه الثوابت ليست مجرد مكونات نظرية، بل هي منظومة متكاملة تربي على الوسطية، وتحفظ التوازن بين العقل والنقل، وبين الشريعة والحقيقة.

وتندرج هذه المرجعية تحت غطاء مؤسسة إمارة المؤمنين، التي تمثل إطارًا جامعًا لصيانة الوحدة الدينية، وحفظ الأمن الروحي، وترسيخ قيم الاعتدال والاستقرار في المجتمع المغربي.

التصوف… بناء للإنسان قبل كل شيء

إن التصوف في حقيقته ليس انعزالًا عن الحياة، ولا انقطاعًا عن قضايا المجتمع، بل هو بناء للإنسان من الداخل، وتربية له على الصدق، والإخلاص، والتواضع، والمحبة. ومن هذا المنطلق، يصبح التصوف رافدًا أساسيًا لتعزيز التوازن النفسي والروحي، ومصدرًا لإحياء القيم الإنسانية التي يحتاجها العالم اليوم أكثر من أي وقت مضى.

وقد أكدت جلسات الملتقى في دوراته المختلفة أن قراءة التصوف قراءة علمية متوازنة تساهم في إبراز قيمه الأصيلة، وتكشف عن إسهاماته العميقة في مجالات التربية والأخلاق والفكر والثقافة، بعيدًا عن الصور النمطية أو الاختزالات التي قد تحجب جوهره الحقيقي.

ختاما

يبقى الملتقى العالمي للتصوف بمداغ شاهدًا على قدرة الروح على أن تكون جسرًا للحوار، ومصدرًا للسلام، ومنبعًا للقيم التي تسمو بالإنسان وترتقي بالمجتمعات. وقد كانت مشاركتي في هذا الملتقى في دورات متعددة تجربة غنية بالمعرفة والتواصل، ومناسبة لتجديد التأمل في دور التصوف في بناء إنسان أكثر رحمة وتوازنًا وانفتاحًا.

كما يبقى الفضل موصولًا إلى صاحب الجلالة الملك محمد السادس حفظه الله ورعاه ونصره، الراعي لمختلف دورات الملتقى، وإلى الشيخ المربي سيدي الدكتور منير القادري بودشيش، شيخ الطريقة القادرية البودشيشية ورئيس مؤسسة الملتقى، على جهودهما المباركة في جعل مداغ فضاءً عالميًا للمعرفة الروحية والحوار الحضاري، بما يخدم القيم الإنسانية المشتركة، ويعزز رسالة الإسلام القائمة على الرحمة والمحبة والاعتدال.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى