
أحداث الساعة 24// محمد الحافظي.
في خطوة لافتة تعكس حجم القلق داخل دوائر القرار الفرنسية، جمع الرئيس إيمانويل ماكرون، أمس الجمعة 18شتنبر 2026، في قصر الإليزيه، قادة الأحزاب السياسية الممثلة في البرلمان وعدداً من المرشحين للإنتخابات الرئاسية المرتقبة سنة 2027، لمناقشة التدهور المتسارع للوضع الدولي وإنعكاساته المباشرة على فرنسا.
الإجتماع المغلق لم يكن سياسياً فقط، إذ شارك فيه مسؤولون كبار من أجهزة الإستخبارات الفرنسية، بينها الإستخبارات الداخلية والخارجية والعسكرية، إلى جانب الأمانة العامة للدفاع والأمن القومي ومسؤولي قطاع الطاقة، حيث قُدمت للحاضرين معطيات حول الحرب في أوكرانيا والشرق الأوسط والمخاطر الأمنية والطاقية التي تواجهها فرنسا.
وبعد الاإجتماع، حذر ماكرون من أن طبيعة التهديد الروسي في أوروبا تشهد تحولاً، مؤكداً أن ما وصفه بـ«التهديد الهجين الروسي» ضد الأوروبيين وفرنسا قد تصاعد خلال الأسابيع الأخيرة. وتشمل المخاوف الفرنسية الهجمات السيبرانية والطائرات المسيّرة ومحاولات التخريب واستهداف المنشآت والبنى التحتية الحساسة.
لكن كيف عرفت فرنسا مسبقاً بوجود هذه المخاطر؟ الجواب يرتبط أساساً بعمل أجهزة الإستخبارات والأمن السيبراني وبمتابعة الحوادث المسجلة داخل أوروبا. فالسلطات الفرنسية كانت قد نسبت في يوليو 2026 عمليات تجسس وهجمات إلكترونية استهدفت مؤسسات فرنسية وأوروبية إلى المركز السادس عشر التابع لجهاز الأمن الفيدرالي الروسي FSB، إعتماداً على تحقيقات تقنية فرنسية. كما سبق لباريس أن نسبت في أبريل 2025 أنشطة مجموعة APT28 إلى الإستخبارات العسكرية الروسية.
وتعتمد فرنسا كذلك على المديرية العامة للأمن الخارجي DGSE ومديرية الإستخبارات العسكرية DRM وأجهزة الأمن الداخلي والسيبراني، التي تجمع وتحلل معلومات ميدانية وتقنية وإستخباراتية بهدف استباق المخاطر قبل وصولها إلى الأراضي الفرنسية. وتوضح وزارة الجيوش أن الإستخبارات العسكرية تجمع المعطيات من مصادر مختلفة وتحللها لإنتاج تقارير سرية تصل إلى أعلى مستويات الدولة.
ويبدو أن هدف ماكرون من إشراك قادة الأحزاب والمرشحين للرئاسة هو وضع القوى السياسية أمام المعلومات التي تمتلكها الدولة حول خطورة المرحلة، خصوصاً أن فرنسا تتجه نحو إنتخابات رئاسية في أبريل وماي 2027. وقال الرئيس إن المرشحين الذين يطمحون إلى قيادة البلاد يجب أن تكون لديهم معلومات حول ما تواجهه فرنسا، مقدماً الإجتماع باعتباره تمريناً على الشفافية في القضايا الاإستراتيجية.
الشق الثاني من الإجتماع تعلق بأزمة الطاقة التي أصبحت تضغط بقوة على القدرة الشرائية للفرنسيين. فقد ربط ماكرون إرتفاع أسعار الوقود والطاقة بالتوترات والحروب في أوكرانيا والشرق الأوسط، وبالإضطرابات التي أصابت طرق الإمداد والأسواق الدولية، محذراً من أن هذه الأزمة ستظل تؤثر على حياة الفرنسيين خلال الأسابيع المقبلة.
وأعلن الرئيس الفرنسي عزمه الدفع نحو اجتماع لمجموعة السبع G7 مخصص للطاقة، بهدف تنسيق مستويات المخزون وبحث إمكانية اللجوء إلى الاإحتياطات الاإستراتيجية والحد من التوتر في أسواق الطاقة. كما تحدث عن العمل على حماية المنشآت الفرنسية الحيوية والصناعات الدفاعية من الهجمات السيبرانية والطائرات المسيّرة وغيرها من أشكال التهديدات الهجينة.
وهكذا، حمل إجتماع الإليزيه رسالة مزدوجة: الأولى أمنية مفادها أن باريس تعتبر المخاطر الروسية والهجينة تهديداً يجب الإستعداد له، والثانية سياسية وإقتصادية تتمثل في إعداد القوى التي قد تتولى الحكم بعد إنتخابات 2027 للتعامل مع مرحلة دولية مضطربة قد تكون فيها قضايا الأمن والطاقة والقدرة الشرائية في صدارة إهتمامات الفرنسيين.



