الحوادثالرئيسيةالسياسية

على أبواب سبتة.. أحلام الهجرة تصطدم بالأسلاك ومعاناة إنسانية تتفاقم في الفنيدق

محمد الحافظي// جريدة احداث الساعة 24

عادت منطقة الفنيدق والحدود المحاذية لمدينة سبتة، الخاضعة للإدارة الإسبانية، إلى واجهة الأحداث، بعد تجدد محاولات العبور غير النظامي التي شارك فيها مهاجرون مغاربة وآخرون قدموا من بلدان أفريقيا جنوب الصحراء، وسط انتشار أمني مكثف وعمليات كرّ وفرّ انتهت بتوقيف واعتراض أعداد كبيرة منهم.

وتفاوتت الأرقام التي تداولتها وسائل الإعلام بشأن أحداث السبت 15 المشؤوم؛ إذ تحدثت معطيات أولية عن اعتراض ما لا يقل عن 111 مهاجراً، غالبيتهم من دول جنوب الصحراء، فيما أشارت تقارير لاحقة إلى توقيف أو اعتراض 294 شخصاً. ويعكس هذا التباين سرعة تطور الوقائع ميدانياً والحاجة إلى إعلان حصيلة رسمية مفصلة ونهائية.

وخلف المشهد الأمني، تبرز مأساة إنسانية يعيشها شبان أنهكهم الانتظار والخوف. فعدد منهم أمضى أياماً في الغابات والمناطق الوعرة المحيطة بالفنيدق وبليونش، في ظروف قاسية تفتقر إلى الغذاء الكافي والماء والمأوى والرعاية الصحية. ويحمل بعضهم آثار رحلات طويلة انطلقت من دول تعاني الحروب أو الفقر، بينما دفع اليأس وانسداد الآفاق شباباً مغاربة إلى خوض المغامرة نفسها بحثاً عن مستقبل يعتقدون أنه يبدأ بمجرد الوصول إلى الضفة الأخرى.

وتحولت محاولات التقدم نحو الحدود إلى تدافع واحتكاكات مباشرة مع القوات المغربية التي انتشرت لمنع الوصول إلى المعبر والسياج الحدودي. وأظهرت الصور المتداولة مجموعات من المهاجرين تتراجع نحو الغابات، بينما نفذت السلطات حملات تمشيط وتوقيف في المنطقة. وفي مثل هذه الأوضاع المتوترة، يصبح خطر الإصابات والاختناق والتدافع أو السقوط في البحر قائماً، خصوصاً عندما يحاول البعض السباحة حول الحاجز البحري أو تجاوز السياج.

وبحسب شهادات نقلتها وكالة «إيفي»، فقد ساهمت مقاطع مضللة جرى تداولها عبر شبكات التواصل الاجتماعي في إقناع بعض المهاجرين بأن الحدود ستُفتح يوم 15 غشت. وقال مهاجر سوداني إن تلك الرسائل دفعت أشخاصاً إلى التحرك من مناطق مختلفة، وهو ما يبرز الدور الخطير الذي تلعبه الشائعات وشبكات الاستغلال في توجيه أشخاص يوجدون أصلاً في وضع هش نحو مغامرات قد تنتهي بالموت.

في المقابل، تؤكد السلطات المغربية والإسبانية أن تشديد المراقبة يهدف إلى حماية الحدود، ومنع العبور الجماعي، والتصدي لشبكات تهريب البشر والتحريض الرقمي. وشملت الإجراءات تعزيز الوجود الأمني، ومراقبة الطرق ومحطات النقل والمناطق الغابوية، إلى جانب رفع مستوى التأهب في الجانب الإسباني من الحدود.

غير أن المقاربة الأمنية، على أهميتها في حفظ النظام ومنع الكوارث، لا يمكن أن تكون الجواب الوحيد. فبين الموجودين مهاجرون اقتصاديون، لكن قد يكون بينهم أيضاً طالبو لجوء وفارون من نزاعات واضطهاد، فضلاً عن قاصرين وأشخاص مرضى أو مصابين. وتؤكد المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن طالبي اللجوء واللاجئين في المغرب يتمتعون بالحماية، وأنه لا يجوز إعادتهم إلى مكان قد تتعرض فيه حياتهم أو سلامتهم للخطر.

وكانت منظمة «هيومن رايتس ووتش» قد دعت، عقب أحداث العبور الدامية التي شهدتها حدود سبتة في نهاية يوليوز، إلى اعتماد استجابة تضع الحقوق الإنسانية في صلب المعالجة، وإجراء تحقيقات مستقلة في الوفيات والانتهاكات المحتملة. وتبقى أي مزاعم بشأن الاستعمال المفرط للقوة في حاجة إلى توثيق وتحقيق نزيه، بالتوازي مع مساءلة من يروجون الأخبار الكاذبة أو يستغلون المهاجرين ويدفعونهم إلى المخاطرة بحياتهم.

إن أزمة سبتة ليست مجرد سباق بين مهاجرين وسياج، ولا مجرد ملف أمني موسمي. إنها نتيجة متشابكة للفقر والبطالة والحروب واتساع الفوارق وغياب المسارات القانونية والآمنة للهجرة. كما أنها اختبار لقدرة المغرب وإسبانيا والاتحاد الأوروبي على التوفيق بين حماية الحدود وصون الكرامة الإنسانية.

ويقتضي تجنب مآسٍ جديدة توفير مساعدات عاجلة للموجودين في الغابات والمناطق الحدودية، وضمان العلاج للمصابين وحماية القاصرين، وتمكين طالبي اللجوء من الوصول إلى إجراءات واضحة وعادلة، مع فتح تحقيقات مستقلة في أي تجاوزات محتملة. كما يتطلب الأمر تعاوناً فعلياً لملاحقة شبكات التهريب ومحاربة التضليل الرقمي، وإيجاد فرص قانونية للهجرة والعمل بدل ترك الشباب فريسة للمهربين والأوهام.

وبينما تستمر الدوريات على طول الحدود، يبقى السؤال الإنساني مطروحاً بقوة: كيف يمكن منع العبور غير النظامي من دون تحويل المهاجر، مغربياً كان أو من أفريقيا جنوب الصحراء، إلى مجرد رقم في حصيلة التوقيفات؟ فالحدود قد تُغلق بالأسلاك والحواجز، لكن أسباب الهجرة لن تختفي ما لم تُعالج جذورها بقدر أكبر من العدالة والمسؤولية والتضامن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى