الرئيسيةالرياضية

لبوءات الأطلس… إنجاز يسابق الاعتراف

جريدة احداث الساعة 24 

فتيحة عزيب : أخصائية كلينيكية 

في السنوات القليلة الماضية صنعت لبوءات الأطلس ما يشبه المعجزة الكروية في سياق عربي وإفريقي كان يُنظر فيه إلى الكرة النسوية نظرة هامشية في أحسن الأحوال. تأهلن أول مرة في التاريخ إلى كأس العالم وبلغن دور الستة عشر، ووقفن وصيفات لإفريقيا مرتين متتاليتين على أرضهن، واستضفن ثلاث نسخ متتالية من كأس الأمم، فرفعن الراية المغربية في محافل كانت شبه مغلقة أمام النساء. ومع ذلك ظل الاحتفاء بهذه الإنجازات باهتا ومحدوداً إذا ما قورن بما أُحيط به منتخب الرجال بعد مونديال اثنين وعشرين، وكأن الفرحة الكاملة ما زالت حكراً على ساحة الذكور.

من زاوية علم النفس الرياضي يبدو الأمر أكثر عمقاً من مجرد تفاوت في الحماس الجماهيري. الإنجاز الرياضي لا يكتمل في وجدان اللاعبة إلا حين يقابله اعتراف اجتماعي يرسخ لديها شعور الكفاءة الذاتية. وحين تبلغ المنتخبة نهائيين قارِيين وتتجاوز دور المجموعات في أول مشاركة مونديالية ثم تجد الاحتفاء موسمياً أو مشروطاً، تنشأ فجوة اعتراف صامتة. هذه الفجوة تضعف الدافعية الداخلية شيئاً فشيئاً، وقد تولّد ما يُسمى الإرهاق الهوياتي، حيث تشعر اللاعبات أنهن يحملن عبء الوطن دون أن يُمنحن الاندماج الرمزي الكامل الذي يُمنح لنظرائهن من الرجال. صحيح أن بعضهن قد يحوّلن نقص الاعتراف إلى وقود إضافي يدفعهن للمزيد من الإصرار، لكن هذا التحفيز الدفاعي نادر الاستدامة، وغالباً ما يقترن بضغط نفسي متزايد أو انسحاب مبكر من المسيرة.

أما على صعيد علم النفس الاجتماعي فإن الاحتفاء الرياضي ليس مجرد تعبير عن الفرح، بل آلية جوهرية لبناء الهوية الجماعية. منتخب الرجال بعد إنجاز قطر تحول إلى رمز مركزي للهوية المغربية الحديثة: المقاومة والذكاء والاعتزاز المشترك. في المقابل أُدرج المنتخب النسوي في خانة الهوية الفرعية أو الهوية التقدمية، يُحتفى به كدليل على التطور والمساواة أكثر منه كعنوان أساسي للانتماء الوطني. وهنا تعمل آليات التحيز الضمني التي تقيّم إنجاز المرأة بميزان مختلف، وتظهر المقارنة الاجتماعية التصاعدية التي تضع دور الستة عشر في مواجهة نصف النهائي فتبدو النتيجة أقل بريقاً، ويتسلل التردد الثقافي تجاه تغيير الأدوار التقليدية حيث يثير النجاح النسائي الواسع قلقاً غير واعٍ لدى بعض الشرائح حول معايير الفخر نفسها.

ولا ينفصل هذا الواقع عن منطق الإعلام الذي يحدد الأجندة ويؤطر الأحداث. كرة القدم الرجالية تملك سردية متراكمة عبر عقود من الأساطير والخصومات والأرقام، بينما ما زالت الكرة النسوية تبني سرديتها بصعوبة. كثيراً ما تُقدَّم إنجازات السيدات بوصفها قصة اجتماعية قبل أن تكون قصة رياضية خالصة، وتُخصص لها مساحات أقل تكراراً وأقل عمقاً، فتتغذى دائرة مفرغة من قلة الاهتمام وقلة التغطية.

أما الاقتصاد فيكشف الجانب الأكثر جفافاً في المشهد. فالكرة النسوية المغربية اعتمدت اعتماداً شبه كلي على الدعم المؤسسي من الجامعة والدولة، وهو دعم أنتج نتائج رياضية سريعة لكنه لم يخلق بعد سوقاً تجارياً حقيقياً للإعلانات والرعاية. سوق الرعاية الرياضية في القارة الإفريقية أصلاً محدود، والكرة النسوية تأخذ منه حصة ضئيلة. الرعاة الكبار يدخلون المجال في الغالب من باب المسؤولية الاجتماعية والصورة التقدمية أكثر من حساب العائد المالي المباشر، والأندية ما زالت تجد صعوبة بالغة في جذب رعاة محليين مستدامين، وحقوق البث ضعيفة، والحضور الجماهيري في المباريات العادية غير كافٍ لإقناع المعلنين. هكذا ظل مجال الإشهارات مركوناً رغم الإمكانات الكبيرة الكامنة في جمهور محتمل واسع وقيمة رمزية عالية ونمو عالمي متسارع في إيرادات الرياضة النسائية.

إن ما يحدث مع لبوءات الأطلس ليس تجاهلاً مطلقاً ولا مؤامرة خفية، بل ثمرة تفاعل معقد بين آليات نفسية تجعل الهوية الرياضية الرجالية أكثر مركزية، وهياكل إعلامية واقتصادية تفضل الأسواق الناضجة، وصور نمطية جندرية ما زالت تؤثر في تقييم الإنجاز. الاعتراف الكامل بما تحقق ليس واجباً أخلاقياً فحسب، بل شرط نفسي لاستمرار الدافعية، وشرط اجتماعي لترسيخ هوية وطنية أكثر شمولاً، وشرط اقتصادي لتحويل النجاح الرياضي إلى صناعة قادرة على الاستمرار. وحين يصبح الإنجاز النسوي قادراً على توليد فخر جماعي غير مشروط وسوق تجاري حقيقي، ستتقلص فجوة الاحتفاء من تلقاء نفسها. حتى ذلك الحين يبقى السؤال معلقاً في الهواء: هل نكتفي بالاحتفاء الرمزي المتقطع، أم نبني سردية كاملة تليق بما رفعته هؤلاء اللبوءات من راية؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى