
جريدة احداث الساعة 24
مقدمة:

إن قواعد القانون الجنائي باعتباره قانون موضوع تظل في حالة سكون، إلى أن تقع الجريمة فيأتي دور القانون الإجرائي (قانون المسطرة الجنائية) باعتباره حلقة وصل بين ارتكاب الجريمة وتوقيع العقاب على مرتكبها، كما ينظم سلطة الدولة وأجهزتها في الاعتقال والمتابعة والمحاكمة والعقاب ويحدد القواعد المتعين تطبيقها في جميع الإجراءات القضائية التي تعقب ارتكاب الجريمة، هذه القواعد التي قد تمس بعضها بحقوق وحريات الأفراد، ذلك لأننا أمام معادلة صعبة تقتضي الموازنة بين مكافحة الجريمة وحماية الأمن العام وبين احترام الحقوق والحريات العامة وهو الأمر المتفق عليه عالميا في مجال حقوق الإنسان.
ويعتبر قانون المسطرة الجنائية من أهم القوانين الإجرائية التي تتضمن الأمن القانوني والقضائي بالمغرب لتحقيق العدالة الجنائية، وفي البداية، لابد من توضيح أساسي بالنسبة للإصلاحات التشريعية، لابد لهذه الإصلاحات أن تبنى على أسس ومبادئ تعتبر من المرجعيات الأساسية لتحقيق أهداف التعديلات التشريعية، سواء المتعلقة بالعدالة أو غيرها من المجالات المرتبطة بالتشريع بصفة عامة.
وحيث انه لتحقيق الأمن القانوني والقضائي في المغرب كان لابد من تحديث الترسانة القانونية للرقي بمنظومة العدالة وضمان المحاكمة العادلة، وتحديث مجمل القوانين المتعلقة بالعدالة، في إطار ملاءمتها مع الدستور والاتفاقيات التي صادق عليها المغرب، وملائمتها مع التشريع الجنائي، وكذلك التحولات العميقة التي عرفها المغرب على جميع المستويات، والطموح نحو مستقبل أفضل كملاءمة القانون الجنائي والمسطرة الجنائية، وكذا تطور الظاهرة الإجرامية بكل أبعادها، مثلا المرتبطة بالتطور التكنولوجي.
وقد روعي في مراجعة قانون المسطرة الجنائية تحقيق الموازنة بين وقاية المجتمع من الجريمة وحماية أمنه واستقراره من جهة، وحماية حقوق وحريات الأشخاص من جهة ثانية، وهي معادلة بقدر ما تقتضي تحقيق الضمانات الأساسية للأطراف في مختلف وضعياتهم سواء كانوا مشتبه فيهم أو متهمين أو محكوم عليهم أو ضحايا بما يتوافق مع المفهوم الكوني لحقوق الإنسان، فإنها يجب في نفس الوقت أن لا تخل بضرورة حماية المجتمع من الجريمة وتوفر الآليات العدالة الجنائية الوسائل والظروف المناسبة للتحري والبحث عن الجرائم وضبط مرتكبيها ومحاكمتهم ومعاقبتهم بكيفية توفر النجاعة اللازمة، مع ما يقتضيه ذلك من غل يد آليات البحث الجنائي في التصرف في الحقوق والمس بالحريات إلا في إطار حالات الضرورة القصوى التي تقتضيها سلامة الأفراد والمؤسسات حينما تكون الجريمة خطيرة أو تكون شبهة إثباتها قوية كحالات التلبس بالجريمة وذلك في احترام تام للمبادئ الشرعية والتناسب والضرورة كأهم مقومات الصناعة التشريعية في المجال الجنائي.
وتزداد أهمية هذه المراجعة التشريعية في إطار ما شهدته بلادنا في الآونة الأخيرة من مستجدات حقوقية هامة تمثلت بالأساس في صدور دستور جديد للمملكة سنة 2011 أفرد ضمن مضامينه حيزا هاما لمجموعة من الحقوق والحريات ووضع آليات لحمايتها وضمان ممارستها، وكذا ما أقرته ديباجة الدستور من التزام المملكة المغربية بتعهداتها الدولية واحترامها للاتفاقيات التي أبرمتها وإعطائها الأولوية في التطبيق وهو ما أصبح يتطلب ملاءمة المنظومة القانونية الوطنية مع المواثيق الدولية وتوصيات وملاحظات هيئات منظمة الأمم المتحدة ذات الصلة بمجال حقوق الإنسان وشروط المحاكمة العادلة من جهة، وبمكافحة وردع الجريمة والوقاية منها من جهة ثانية.
كما أن الحوار الوطني حول إصلاح منظومة العدالة الذي جرى طيلة سنة كاملة انطلاقا من ثامن ماي 2012 حينما نصب جلالة الملك الهيئة العليا للحوار، خلص إلى تقديم عدة توصيات يتطلب تنفيذها إدراج مقتضيات تشريعية جديدة على مستوى قانون المسطرة الجنائية أو تغيير أو تتميم بعض المقتضيات من هذا القانون.
وبالموازاة مع ذلك، فقد أثار التقرير العام حول النموذج التنموي الجديد الذي وضع بين يدي جلالة الملك محمد السادس نصره الله في ماي 2021 مجموعة من المواضيع المرتبطة بمجال تدخل السياسة الجنائية تروم في عموميتها للسعي نحو توطيد عدالة ناجعة وتعزيز مجال حماية الحقوق والحريات وكذا من قوانين واضحة لا يكتنفها أي غموض. وبالإضافة إلى ذلك، فإن الممارسة العملية أفرزت عن وجود بعض الثغرات ومكامن النقص أو الفراغ في نصوص قانون المسطرة الجنائية تتطلب ردا تشريعيا لإصلاحها أو تلافي عيوبها.
وأخيرا، فإن قانون المسطرة الجنائية أصبح مطالبا بتوفير أجوبة للتحديات التي يفرزها التطور المذهل لأساليب الجريمة واستخدامها لمنتوجات تكنولوجيا المعلوميات والصناعات الحديثة، وهو ما يتطلب توفير ردود إجرائية من نفس النوع بالنسبة لآليات البحث والتحري الجنائي في ظل احترام تام لمبادئ المحاكمة العادلة وحقوق الإنسان وفق ما هو متعارف عليها دوليا.
ولذلك، فإن مراجعة قانون المسطرة الجنائية التي تعتمد تحقيق التوازن الصعب بين شراسة الجريمة وتهديدها لأمن الإنسان وسلامة المواطن في بدنه وممتلكاته من جهة، وبين حماية الحقوق الأساسية للأفراد كما أقرتها المواثيق الدولية لحقوق الإنسان ودستور المملكة من جهة ثانية استندت إلى مرجعيات أساسية تعتبر ثوابت في السياسة الجنائية للمملكة المغربية، وفي مقدمتها دستور المملكة لسنة 2011 الذي كرس مجموعة من الحقوق والواجبات المرتبطة بحقوق الإنسان وسلامة الوطن والمواطن وحماية الملكية وحرمة الحياة الخاصة والأمن العام.
الخطب الملكية السامية لجلالة الملك نصره الله والتي حددت الفلسفة والمعالم الكبرى لإصلاح منظومة العدالة ببلادنا، خاصة ما يرتبط بالتوجهات الكبرى للسياسة الجنائية في مجالات تعزيز شروط المحاكمة العادلة وتوسيع دائرة العدالة التصالحية وملاءمة الإجراءات الجنائية.
على ضوء ما تقدم ولمعالجة الموضوع سيتم الإنطلاق من الإشكالية التالية: إلى إي حد يمكن القول بأن القواعد الإجرائية الواردة في قانون المسطرة الجنائية كافية لضبط الجريمة و قادرة على استيعاب مختلف إجراءات البحث المنجزة بشأنها؟
ومن خلال هذه الإشكالية، سننطلق من فرضية مفادها أن القواعد الإجرائية الواردة في قانون المسطرة الجنائية الحالي غلى مستوى صلاحيات ضباط الشرطة القضائية لم تعد كافية و قادرة على ضبط الجريمة و أن البحث عن الجريمة في ظل التطور التكنولوجي يتطلب وضع قواعد إجرائية خاصة تتماشى وتنسجم مع خصوصية وطبيعة هذا النوع من الجرائم المستحدثة، مما ستوجب تعزيز صلاحيات ضباط الشرطة القضائية بشكل يتلاءم و التطورات التي شهدتها الجريمة في الآونة الأخيرة.
وللوقوف عند مدى صحة هذه الفرضية، فإننا سنحاول من خلال هذا الموضوع الوقوف عند مدى كفاية وقدرة القواعد الإجرائية الواردة في قانون المسطرة الجنائية والمتعلقة بالبحث والتحري على البحث، ثم الوقوف بعد ذلك عند القواعد الإجرائية التي تضمنتها مسودة مشروع قانون المسطرة الجنائية في هذا الباب.
المطلب الأول: الهيكلة القانونية للشرطة القضائية على ضوء مسودة مشروع قانون المسطرة الجنائية
المطلب الثاني: صلاحيات ضباط الشرطة القضائية على ضوء مسودة مشروع قانون المسطرة الجنائية
المطلب الأول: الهيكلة القانونية للشرطة القضائية على ضوء مسودة مشروع قانون المسطرة الجنائية
لقد تم إحداث جهاز الشرطة القضائية بالمغرب سنة 1956 وذلك بمقتضى ظهير 115-56-1 وتنقسم الشرطة على نوعين حسب طبيعة المهام التي تقوم بها، فأما النوع الأول يتعلق بالشرطة الإدارية، حيث تتولى مهام الضبط الإداري، ويقصد بهذا الأخير مجموعة من القواعد التي تفرضها الدول على الأفراد بغية تنظيم حرياتهم العامة أو بمناسبة ممارستهم لنشاط معين بهدف المحافظة على النظام العام. أما الشرطة القضائية فتبدأ مهمتها مباشرة بعد وقوع الفعل الإجرامي، وهي تعتبر هيأة مساعدة للجهاز القضائي.
وتجدر الإشارة أن المشرع المغربي لم يميز بين الشرطة القضائية والإدارية وذلك بسبب عدم وجود جهاز للشرطة الإدارية مستقل بكيفية عضوية وإدارية وقانونية عن جهاز الشرطة القضائية، وبهذا يعتبر المغرب من بين العديد من الدول: (فرنسا، تونس، الجزائر) التي أخذت بالنظام الإزدواجي لعمل الشرطة القضائية، وهي مأخوذة من القانون الفرنسي على خلاف القانون الانجليزي الذي أناط تبعية ضباط الشرطة القضائية لجهة واحدة مستقلة تستأثر بالهيمنة والسيطرة الرئاسية.
وينتظم أعضاء الشرطة القضائية بالمغرب إلى جهات إدارية مختلفة، فمنهم من ينتمي إلى سلك القضاء، ومنهم من ينتمي إلى جهات إدارية مختلفة، ومن أجل تحقيق الفعالية المرجوة في عمل الضابطة القضائية نص المشرع المغربي في إطار المادة 27 من قانون المسطرة الجنائية على أصناف من الموظفين والأعوان المكلفين ببعض مهام الشرطة القضائية، تتصل بمجال اختصاصات كل منهم بصفة أساسية وذلك بحكم موقعهم وارتباطهم الوظيفي بالمجالات التي يخول لهم القيام بمثل هذه المهام.
وقد شهدت البنية الهيكلية للشرطة القضائية تغييرات مهمة على مستوى مسودة مشروع قانون المسطرة الجنائية، إن على صعيد الضباط السامون للشرطة القضائية (الفقرة الاولى)، وإن على صعيد الضباط العاديون للشرطة القضائية (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: الضباط السامون للشرطة القضائية
تنص المادة 19 من قانون المسطرة الجنائية على أنه:
” تضم الشرطة القضائية بالإضافة إلى الوكيل العام للملك ووكيل الملك ونوابهما وقاضي التحقيق، بوصفهم ضباطا سامين للشرطة القضائية:
أولا: ضباط الشرطة القضائية
ثانيا: ضباط الشرطة القضائية المكلفين بالأحداث
ثالثا: أعوان الشرطة القضائية
رابعا: الموظفون والأعوان الذين ينيط بهم القانون بعض مهام الشرطة القضائية”.
وتجدر الإشارة إلى أن مضمون المادة 19 السالفة الذكر أن المشرع منح صفة ضابط سام فقط للأشخاص المنتمين إلى سلك القضاء، لكن ما يجب تبيانه أن نفس المادة لم تشر إلى الصفة الضبطية السامية للوكيل العام لدى محكمة النقض والمحامون العامون، خصوصا في حالة إحالة القضية على محكمة النقض في إطار الامتياز القضائي، أي عندما تتدخل كمحكمة واقع وليس كمحكمة قانون، بيد أن الفقرة الأولى من المادة 19 من المشروع تخول للوكيل العام للملك والمحامون العامون الصفة الضبطية، إذ أدرجهم ضمن زمرة الضباط السامون للشرطة القضائية، وما يؤكد ذلك هو أن الوكيل العام للملك، أو أحد المحامين العامين، بصفته ضابطا ساميا للشرطة القضائية، كما يمكن له أن يكلف أحد قضاة النيابة العامة أو ضباط الشرطة القضائية ذوي الاختصاص الوطني، أصبح صاحب الاختصاص في القيام بعمليات الاستماع وتفتيش منازل ذوي الامتياز القضائي من الفئة التي تختص الغرفة الجنائية بمحكمة النقض بمحاكمتها، كما أن المشروع خول له صلاحية الإذن باتخاذ أي تدبير ماس بالحرية بناء على طلب من الوكيل العام للملك في اطار مسطرة الاختصاص الاستثنائي أو قواعد الامتياز القضائي.
كما أن الفقرة الثانية من المادة الثالثة من المشروع نصت على أنه لا يمكن إجراء الأبحاث وإقامة الدعوى العمومية في شأن الجرائم الماسة بالمال العام، إلا بطلب من الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بصفته رئيسا للنيابة العامة بناء على إحالة من المجلس الأعلى للحسابات، أو بناء على طلب مشفوع بتقرير من المفتشية العامة للمالية أو المفتشية العامة للإدارة الترابية أو المفتشيات العامة للوزارات أو من الإدارات المعنية، أو بناء على إحالة من الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها أو كل هيئة يمنحها القانون صراحة ذلك.
وعليه، فان الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض أو المحامون العامون طبقا للمشروع ونظرا للصفة الضبطية التي خولهم اياها، فإنه أضحى بإمكانهم الاشراف على الأبحاث القضائية التي تجريها الشرطة القضائية، مراقبة وتنسيق أعمالها وتوجيه التعليمات المناسبة لها قصد القيام بالأبحاث والتحريات فيما يصل إلى علمهم من جرائم.
الفقرة الثانية: الضباط العاديون للشرطة القضائية
تنص المادة 20 من مشروع ق.م.ج على انه يحمل صفة ضابط شرطة قضائية:
المدير العام للأمن الوطني و وولاة الأمن والمراقبون العامون للشرطة وعمداء الشرطة وضباطها؛
المدير العام لإدارة مراقبة التراب الوطني وولاة الأمن والمراقبون العامون للشرطة وعمداء الشرطة وضباطها بهذه الإدارة، فيما يخص الجرائم المنصوص عليها في المادة 108 من هذا القانون؛
ضباط الدرك الملكي وذوو الرتب فيه وكذا الدركيون الذين يتولون قيادة فرقة أو مركز للدرك الملكي طيلة مدة هذه القيادة؛
الباشوات والقواد وخلفاء القواد، بمختلف درجاتهم ومهامهم
لمفتشي الشرطة التابعين للمديرية العامة للأمن الوطني أو المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني ممن قضوا على الاقل مدة ثلاث سنوات من الخدمة بقرار مشترك لرئيس النيابة العامة ووزير الداخلية
للدركيين الذين قضوا على الاقل مدة ثلاث سنوات من الخدمة بقرار مشترك لرئيس النيابة العامة والسلطة الحكومية المكلفة بإدارة الدفاع الوطني.
يتبين بجلاء من خلال فحوى المادة اعلاه ان المشروع اتى بمستجدين بهذا الخصوص ؛حيث من ناحية أولى خول لخلفاء القواد صفة ضابط للشرطة القضائية بعدما كانوا في ظل المادة 25 من قانون المسطرة الجنائية الحالي أعوانا للشرطة القضائية، ومن ناحية ثانية وفي إطار تعزيز رقابة النيابة العامة على الشرطة القضائية، فان المشروع خول رئيس النيابة العامة صلاحية منح الصفة الضبطية بقرار مشترك مع الجهة المشرفة إداريا على مفتشي الشرطة وكذا الدركيين ممن استفو شرط المدة المؤما اليه اعلاه بعدما كانت هذه الصلاحية في ظل القانون الحالي من اختصاص وزير العدل .
وهذا التحول الاجرائي جاء نتيجة استقلال النيابة العامة عن وزارة العدل ونقل اختصاصات هذه الاخير فيما يتعلق برئاسة النيابة العامة إلى الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض.
كما أن المادة 21 من مشروع ق.م.ج التي نظمت الاختصاص النوعي للشرطة القضائية، وفي أفق تعزيز قرينة البراءة و تقوية ضمانات المحاكمة العادلة الزمت ضباط الشرطة القضائية قبل القيام بالأبحاث والتحريات في الوشايات مجهولة المصدر الحصول على اذن من النيابة العامة المختصة وذلك من أجل وضع حد للوشايات الكاذبة.
علاوة على ذلك، أجازت نفس المادة من المشروع لضباط الشرطة القضائية عند الضرورة الاستعانة بالضباط والموظفين ذوي الاختصاص العاملين بالإدارات التي يتبعون لها إداريا، كما يمكنهم في إطار الأبحاث القضائية التي يقومون بها توجيه طلبات بإذن من النيابة العامة المختصة للإدارات والأشخاص الاعتبارية الخاضعة للقانون العام أو الخاص قصد تمكينهم من المعطيات الضرورية لسير الأبحاث.
وفي نفس السياق خولت المادة 22 من مشروع ق.م.ج لضابط الشرطة القضائية ،عند الضرورة أو في حالة الاستعجال أو مخافة اندثار الأدلة، تكليف ضابط الشرطة القضائية المختص مكانيا باتخاذ إجراءات من أعمال البحث التي يتعذر على ضابط الشرطة القضائية المكلف بالبحث إجراءها وإنجاز محضر بشأنها، وذلك بعد إشعار الجهة القضائية التي تشرف على البحث وكذلك النيابة العامة التي سيجرى البحث في دائرة نفوذها.
وغني عن البيان أن الشرطة القضائية توضع في دائرة نفوذ كل محكمة استئناف تحت سلطة الوكيل العام للملك ومراقبة الغرفة الجنحية بمحكمة الاستئناف بخصوص الاخلالات المنسوبة لضباط الشرطة القضائية اثناء قيامهم بمهامهم القضائية.
وتعمل الشرطة القضائية تحت سلطة النيابة العامة وقضاة التحقيق كل فيما يخصه، في ما يتعلق بالأبحاث والتحريات عن الجرائم وضبط مرتكبيها وفي كل الإجراءات المنصوص عليها في القانون.
ويتلقى ضباط الشرطة القضائية التعليمات فيما يتعلق بمهامهم القضائية من السلطات المشار إليها في الفقرة الثانية أعلاه، مما يؤكد ان المشروع عزز من اشراف السلطات القضائية على الشرطة القضائية من خلال التنصيص على ان ضباط الشرطة القضائية يتلقون التعليمات فيما يتعلق بمهامهم القضائية من رؤسائهم القضائيين دون السلطة الادارية التي يتبعون لها تسلسليا فيما يتعلق بمهامهم الإدارية .
ولم يغفل المشروع الصعوبات التي يجدها ضباط الشرطة القضائية في تنفيذ العقوبات السالبة للحرية على مستوى الممارسة، وبهدف تجاوز مجموعة من الإشكالات التي تطرحها الممارسة العملية فيما يخص كيفيات تنفيذ ضباط الشرطة القضائية لتعليمات النيابة العامة بشأن تنفيذ العقوبات السالبة للحرية الصادرة ضد المحكوم عليهم في حالة سراح لاسيما الإشكالات المرتبطة بايقاف المحكوم عليهم في ساعات متأخرة من الليل أو في مكان بعيد عن المؤسسة السجنية، فإن المادة 2-613 من م.ق.ج خولت يمكن لضابط الشرطة القضائية من أجل تنفيذ العقوبات السالبة للحرية الاحتفاظ بالمحكوم عليه في المكان المعد للوضع تحت الحراسة النظرية أو الاحتفاظ داخل أجل لا يتعدى 24 ساعة من تاريخ الاحتفاظ إلى حين إيداعه في المؤسسة السجنية. وينجز محضر يبين فيه ساعة ومكان إيقاف الشخص المحكوم عليه ومراجع القرار القضائي القاضي بعقوبة سالبة للحرية وتاريخ إيداعه في المؤسسة السجنية. يمكن بصفة استثنائية تمديد الأجل المذكور في الفقرة أعلاه لمدة 24 ساعة إضافية بإذن من النيابة العامة بمكان الإيقاف. يتولى ضابط الشرطة القضائية الذي قام بتوقيفه بإنجاز محضر بذلك، ويشعر الشرطة القضائية المختصة ترابيا لمباشرة عملية النقل والإيداع في السجن. تحتسب مدة العقوبة السالبة للحرية منذ الساعة الأولى لإيقاف الشخص المحكوم عليه، ولهذه الغاية تسلم نسخة من محضر الإيقاف إلى المؤسسة السجنية.
المطلب الثاني: اختصاصات ضباط الشرطة القضاءية على ضو مسودة مشروع قانون المسطرة الجنائية
في إطار تعزيز مزيد من الضمانات لحقوق الأفراد وحرياتهم التي كفلتها المواثيق الدولية على نطاق واسع، أقر هذا التغيير إلى جانب مبدأي احترام قرينة البراءة وتفسير الشك لفائدة المتهم المنصوص عليها في المادة الأولى من قانون المسطرة الجنائية مجموعة من المبادئ المتعارف عليها دوليا في مجال المحاكمة العادلة خاصة الواردة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، حيث تم التنصيص ضمن مقتضيات المادتين الأولى والثالثة على ضرورة مراعاة المبادئ التالية: المساواة أمام القانون ، المحاكمة داخل أجل معقول، احترام حقوق الدفاع، ضمان حقوق الضحايا والمشتبه فيهم والمتهمين والمحكومين، حماية الشهود والخبراء والمبلغين، احترام قانونية الإجراءات وخضوعها لمراقبة السلطة القضائية، مراعاة مبادئ الحياد وصحة وشرعية الإجراءات المسطرية والحرص على حقوق الأطراف خلال ممارسة الدعوى العمومية وفق الضوابط المحدد.
ولئن كانت الإشارة المبدئية لهذه الحقوق قد تمت في المواد المشار إليها، فإن تفعيلها تجسد في عدة إجراءات أخرى تضمنتها المراجعة، وهكذا يمكن الوقوف على جملة من الإجراءات المستحدثة بمقتضى هذا المشروع التي تروم تحقيق الموازنة بين ضمانات المحاكمة العادلة و حماية النظام العام و امن الاشخاص و ممتلكاتهم ، الا ان المطلب قيد الدراسة سأقتصر فيه على مستجدات صلاحيات ضباط الشرطة القضائية سواء على مستوى الحراسة النظرية والتفتيش (الفقرة الاولى) أو سواء مستوى تحديث آليات مكافحة الجريمة (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: في إجراءات الحراسة النظرية والتفتيش
لقد شغلت حقوق الإنسان حيزا مهما من جهود المجتمع الدولي فعملت التشريعات والمواثيق والدولية على تحصين تلك الحقوق من خلال تبني العديد من المبادئ والضمانات التي من شأنها توفير الحماية لها وتعزيز التمتع بالحريات، كما القت التزامات على عاتق الدول تتقيد بموجبها باحترام تلك الحقوق والحريات.
وقد تبنى المشرع المغربي تلك المبادئ وجعل تشريعه يتلاءم وتلك الاتفاقيات إذ نص في ديباجة الدستور على أن المملكة تتعهد بالتزام بتنزيل ماجاء في تلك الاتفاقيات وتؤكد تشبتها باحترام حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا، وهو ما تم تجسيده من خلال التعديلات التي عرفتها القوانين الداخلية، وهو ما حذى بالمشرع الى تعديل قانون المسطرة الجنائية تعزيزا لحقوق وحريات الأشخاص المشتبه فيهم وإجراء الحراسة النظرية له أهميته في مسار حماية حقوق الإنسان لذلك اهتم القانون المغربي بضبط هذا الإجراء المهم والخطير الذي يمارسه ضباط الشرطة القضائية، والذي يمس على قدر كبير بالحرية الشخصية في مرحلة قد لا تتوفر فيها دلائل بعد على ارتكاب الشخص للجريمة اللهم إذا تعلق الأمر بحالة التلبس (اولا)، ومن الحقوق الأساسية التي كفلها القانون كذلك للمشبوه فيه أمام الضابطة القضائية أن أحاط منزله بضمانات حمائية أثناء التفتيش، ونظرا لأهمية المنزل وحرمته في القانون المغربي نص الفصل 24 من الدستور المغربي لسنة 2011 على ما يلي: ” … لا تنتهك حرمة المنزل، ولا يمكن القيام بأي تفتيش إلا وفق الشروط والإجراءات التي ينص عليها القانون…”.
ومن تم، فإنه إذا وجدت بعض الأدلة بداخل المنزل لها علاقة بكشف معالم الجريمة، وجب على ضابط الشرطة القضائية احترام شروط وشكليات عملية التفتيش احتراما لقدسية المسكن، وحرمات صاحبه والعمل على تفادي الأسرار التي ليس له الحق قانونا الاطلاع عليه (ثانيا).
أولا: المتغير في احكام تدبير الحراسة النظرية
في إطار تعزيز وأنسنة تدبير الحراسة النظرية كإجراء مقيد الحرية الأفراد، الذي كان يلجأ إليه كلما تطلبت ضرورة البحث ذلك وتعلق الأمر بجناية أو جنحة طبقا المادتان 66 و80 من ق.م.ج، فقد أوجب المشروع على الجهات المعنية تنفيذ تدبير الحراسة النظرية في ظروف تضمن احترام كرامة الشخص والحقوق المخولة له قانونا ، وإذا تطلب الأمر اتخاذ تدابير أمنية يتعين التقيد بما هو ضروري منها.
وينطبق نفس المقتضى الحمائي على الأحداث المحتفظ بهم جراء ارتكابهم أو الاشتباه في ارتكابهم الجرائم معاقب عليها في التشريع الجنائي.
إضافة إلى ذلك، بادر المشروع إلى العمل على ترشيد اللجوء إلى هذا التدبير والتضييق من حالات اللجوء إليه من خلال التنصيص صراحة على أن تدبير الحراسة النظرية يعد تدبيرا استثنائيا لا يمكن اللجوء إليه إلا إذا تعلق الأمر بجناية أو جنحة معاقب عليها بالحبس وتبين أنه ضروري لواحد أو أكثر من الأسباب المنصوص عليها في المادة 1-66 التي نصت على انه: “الحراسة النظرية تدبير استثنائي لا يلجأ إليه إلا إذا تبين أنه ضروري لأحد الأسباب التالية:
1- الحفاظ على الأدلة والحيلولة دون تغيير معالم الجريمة.
2- القيام بالأبحاث والتحريات التي تستلزم حضور أو مشاركة المشتبه فيه.
3 – وضع المشتبه فيه رهن إشارة العدالة والحيلولة دون فراره
4- الحيلولة دون ممارسة أي ضغط على الشهود أو الضحايا أو أسرهم أو أقاربهم :
5- منع المشتبه فيه من التواطؤ مع الأشخاص المساهمين أو المشاركين في الجريمة
6- حماية المشتبه فيه
7- وضع حد للاضطراب الذي أحدثه الفعل بسبب خطورته أو ظروف ارتكابه أو الوسيلة التي
استعملت في ارتكابه، أو أهمية الضرر الناتج عنه، أو بالنظر الخطورة المشتبه فيه.
تسهر النيابة العامة على التحقق من الأسباب المذكورة.
وبالتالي، فالمشرع من خلال المشروع، وانسجاما مع الطبيعة الاستثنائية للاعتقال الاحتياطي، ضيق من السلطة التقديرية التي يتوفر عليها ضابط الشرطة القضائية والتي لا يقيده فيها الا ضرورة البحث؛ إذ حدد حالات اللجوء الى تدبير الحراسة النظرية وهي حالات واردة على سبيل الحصر لايمكن لضابط الشرطة القضائية ان يحيد عن نطاقها تحت طائلة المسؤولية التأديبية والمدنية والجنائية عن الاعتقال التعسفي وتراقبه في ذلك النيابة العامة؛ اذ أن الفقرة الاخيرة من المادة 66-1 من مشروع ق.م.ج خول للنيابة العامة باعتبارها الجهاز المشرف على اعمال الشرطة القضائية و الابحاث التي يباشرونها التحقق من مدى التزام ضابط الشرطة القضائية بالحالات الضيقة التي تسمح له بوضع المشتبه به رهن تدابير الحراسة النظرية.
ويجب على ضابط الشرطة القضائية الاشارة في محضر الاستماع لأي شخص قرر وضعه تحت تدابير الحراسة النظرية، يوم وساعة إيقافه ويوم وساعة وضع ورفع الحراسة النظرية أو تقديمه إلى الجهة القضائية المختصة.
كما يقوم ضابط الشرطة القضائية لزوما باشعار عائلة الموقوف ما لم يعترض هذا الأخير صراحة، وذلك فور اتخاذ قرار وضعه تحت الحراسة النظرية بالهاتف أو بأي وسيلة أخرى متاحة، ويشير في المحضر للإسم الشخصي والعائلي وصفة الشخص الذي تم إشعاره والوسيلة المستعملة في ذلك وتاريخ وساعة الإشعار. كما يضمنه تصريحات الموقوف في حالة اعتراضه على إشعار عائلته .
ويتعين على ضابط الشرطة القضائية في هذا المضمار إخضاع الشخص الموضوع تحت الحراسة النظرية لفحص طبي بعد اشعار النيابة العامة المختصة ، إذا لاحظ عليه مرضا أو علامات أو آثارا تستدعي ذلك يجريه طبيب مؤهل لممارسة مهام الطب الشرعي أو طبيب آخر في حالة تعذر ذلك، ويشار إلى هذا الإجراء بالمحضر وبسجل الحراسة النظرية ويضاف التقرير الطبي المنجز إلى المحضر المحال إلى النيابة العامة.
ويعتبر هذا المقتضى الإجرائي من المستجدات المهمة على مستوى مرحلة البحث التمهيدي؛ اذ ان قانون المسطرة الجنائية الحالي لم يمكن ضابط الشرطة القضائية من هذه الصلاحية الإجرائية، وان كانت تستسف ضمنا هذه المكنة من البيانات التي يجب تضمن في سجل الحراسة النظرية و التي من بينها الحالة البدنية والصحية للمشتبه فيه، الا ان المشروع كان اكثر جراءة وخول هذه الصلاحية لضابط الشرطة القضائية بعد اشعار النيابة العامة المختصة ترابيا ونوعيا .
وعلاوة على ذلك، يجب أن تنفذ الحراسة النظرية في ظروف تضمن احترام كرامة الشخص والحقوق المخولة له قانونا. وإذا تطلب الأمر اتخاذ تدابير أمنية يتعين التقيد بما هو ضروري.
وتتحمل ميزانية الدولة نفقات التغذية المقدمة للأشخاص الموضوعين تحت الحراسة النظرية، وتحدد بنص تنظيمي قواعد نظام التغذية وكيفيات تقديم الوجبات الغذائية .
إلى جانب ما ذكر، يتوجب على ضابط الشرطة القضائية بعد التأكد من هوية الشخص الذي ألقي عليه القبض أو تم وضعه تحت الحراسة النظرية إخباره فورا وبكيفية يفهمها بدواعي إيقافه وبحقوقه، ومن بينها حقه في التزام الصمت بشأن الأفعال موضوع إيقافه، و يكون بذالك المشروع قد حسم الاشكال الذي اثير بخصوص نطاق الحق في التزام الصمت ؛ اذ ان اغلب المشتبه فيهم كانوا يمتنعون عن الادلاء بهويتهم تكريسا لحقهم في التزام الصمت في هذه المرحلة الا ان المشروع حدد نطاق هذا الحق فيم يتعلق بالافعال موضوع الايقاف دون ان يشمل ذالك هوية المشتبه به تفاديا للإشكالات المطروحة على مستوى الممارسة بخصوص تحديد هوية المشتبه فيه؛ اذ يمكن لضباط الشرطة القضائية، وبأمر من هؤلاء وتحت مسؤوليتهم، لأعوان الشرطة القضائية التحقق من هوية الأشخاص المشتبه في ارتكابهم أو محاولة ارتكابهم الجريمة، أو الذين يشكلون تهديدا للأشخاص أو للممتلكات أو للأمن العام، أو الذين قد يتوفرون على معلومات مفيدة للبحث في جريمة، أو موضوع أبحاث أو تدابير مأمور بها من قبل السلطات القضائية المختصة.
يحق للشخص المراد التحقق من هويته إثبات هويته بكل الوسائل المشروعة، ويمكن اقتياد الشخص الذي يرفض الإدلاء بهويته أو يتعذر التعرف عليها إلى مقر الشرطة القضائية من أجل التحقق من هويته ، وتستعين الشرطة القضائية بكافة العناصر التي يمكن أن تساعد على تحديد هوية الشخص بما في ذلك الاتصال بعائلته أو مشغله أو معارفه.
يشعر ضابط الشرطة القضائية حينها وكيل الملك بهذا التدبير وكذا أفراد عائلة المعني بالأمر أو محاميه أو كل شخص يختاره المعني بالأمر، وإذا كان المعني بالأمر حدثا يشعر ولي أمره من اللحظة الأولى لإيقافه ويتم الاستماع إليه بحضوره. ولا يمكن أن يتجاوز إيقاف الشخص من أجل التحقق من هويته الوقت الذي تتطلبه تلك العملية، والتي يتعين ألا تتجاوز في جميع الأحوال ست ساعات تحتسب من لحظة إيقافه، ويمكن تمديد هذه المدة عند الاقتضاء لست ساعات إضافية بإذن من وكيل الملك المختص، ويمكن لوكيل الملك أن يضع حدا لهذه العملية في أي لحظة.
يمكن لضابط الشرطة القضائية في حالة رفض الشخص التعريف بهويته أو في حالة ما إذا أدلى بمعلومات غير صحيحة تتعلق بهويته أو تعذر التعرف عليها بوسائل أخرى، أن يقوم بعد إشعار وكيل الملك بأخذ بصمات أصابعه أو بصماته الجينية أو أخذ صوره بهدف التحقق من هويته.
يحرر ضابط الشرطة القضائية محضرا رسميا يبين فيه الأسباب التي تم بموجبها مراقبة والتحقق من هوية الشخص والكيفية والشروط التي تمت بها هذه العملية، وكذا الإجراءات التي بوشرت من أجل التحقق من هويته وساعة إيقافه واقتياده إلى مركز الشرطة وساعة إطلاق سراحه أو وضعه تحت الحراسة النظرية إذا اقتضى الأمر ذلك.
يجب أن تذيل هذه البيانات إما بتوقيع الشخص المعني بالأمر أو ببصمه وإما بالإشارة إلى رفضه ذلك أو استحالته مع بيان أسباب الرفض أو الاستحالة.
يحال المحضر إلى وكيل الملك بمجرد الانتهاء من عملية التحقق من الهوية ويتم إتلاف المحضر بعد انصرام أجل سنة من تاريخ إنجازه إذا لم يتم تسجيل أي متابعة قضائية أو لم يتم فتح بحث قضائي في مواجهة المعني بالأمر. غير أن البصمات الجينية المأخوذ يحتفظ بها من قبل المصالح المختصة .
ويمكن لضابط الشرطة القضائية، لضرورة البحث، تمديد مدة الحراسة النظرية أربعا وعشرين ساعة لمرة واحدة بإذن كتابي معلل من النيابة العامة.
وإذا تعلق الأمر بالمس بأمن الدولة الداخلي أو الخارجي، فإن مدة الحراسة النظرية تكون ستا وتسعين ساعة قابلة للتمديد مرة واحدة لنفس المدة، بناء على إذن كتابي معلل من النيابة العامة.
أما إذا تعلق الأمر بجريمة إرهابية، فإن مدة الحراسة النظرية تكون ستا وتسعين ساعة قابلة للتمديد مرتين لمدة ست وتسعين ساعة في كل مرة، بناء على إذن كتابي معلل من النيابة العامة .
وتبتدأ مدة الحراسة النظرية من ساعة الايقاف الا ان المشروع اعتبر المدة اللازمة لنقل الشخص المشتبه فيه لايدخل ضمن مدة الحراسة النظرية إذا تم إيقافه خارجة الدائرة القضائية التي يعمل بها ضابط الشرطة القضائية الذي احتفظ به تحت الحراسة النظرية، لا يحتسب كذلك ضمن مدة الحراسة النظرية الوقت الذي يقضيه المعني بالأمر في العلاج، ولو كان خاضعا للمراقبة الأمنية، وفي هذه الحالة تخصم هذه المدة من مدة تنفيذ العقوبة في حالة الحكم على المعني بالأمر بعقوبة سالبة للحرية. مع الإشارة إلى كون هذه المدة تخصم من مدة تنفيذ العقوبة في حالة الحكم على المعني بالأمر بعقوبة سالبة للحرية في كلتا الحالتين .
ويحق للشخص الذي ألقي القبض عليه أو وضع تحت الحراسة النظرية الاستفادة من مساعدة قانونية، ومن إمكانية الاتصال بأحد أقربائه أو محاميه بالهاتف أو بأي وسيلة متاحة، وكذا الحق في طلب تعيين محام في إطار المساعدة القضائية. تقوم الشرطة القضائية فورا بإشعار المحامي المعين. وإذا طلب المعني بالأمر تعيين محام في إطار المساعدة القضائية تقوم الشرطة القضائية فورا بإشعار النقيب الذي يتولى تعيين هذا المحامي.
وفي اطار تعزيز حقوق الدفاع في مرحلة البحث التمهيدي ، نص المشروع على ان الاتصال بالمحامي يتم ابتداء من الساعة الأولى لوضع المعني بالأمر تحت الحراسة النظرية دون استلزام اذن من النيابة العامة كما هو عليه في قانون المسطرة الجنائية الحالي، ويمكن لممثل النيابة العامة كلما تعلق الأمر بوقائع تشكل جناية أو جريمة إرهابية واقتضت ضرورة البحث ذلك، أن يؤخر بصفة استثنائية، اتصال المحامي بموكله بناء على طلب من ضابط الشرطة القضائية على أن لا تتجاوز مدة التأخير نصف المدة الأصلية للحراسة النظرية.
يتم الاتصال بالمحامي لمدة لا تتجاوز ثلاثين دقيقة تحت مراقبة ضابط الشرطة القضائية في ظروف تكفل سرية المقابلة.
يرفع ضابط الشرطة القضائية عقب كل ترخيص بالاتصال تقريرا في هذا الشأن إلى النيابة العامة ويشار إلى ذلك في المحضر .
وفضلا عن ذلك، أتى المشروع بمجموعة من التدابير والإجراءات التي يتوخى منها مراقبة ظروف الوضع تحت الحراسة النظرية وضمان حقوق الأشخاص المودعين واحترام كرامتهم وإنسانيتهم، وكذا الحد من كل عمل تعسفي أو تحكمي قد يلحق بهم، أو من شأنه المس بسلامتهم الجسدية، أو حرمانهم من الحقوق المخولة له قانونا وفق ما أقرته المواثيق الدولية و الدستور، حيث نص المشروع على انه ينجز في الجنايات والجنح المعاقب عليها قانونا بخمس سنوات فأكثر تسجيل سمعي بصري للمشتبه فيه الموضوع تحت الحراسة النظرية أثناء قراءة تصريحاته المضمنة في المحضر ولحظة توقيعه أو إبصامه عليه أو رفضه.
تحدد بنص تنظيمي شروط وكيفيات إجراء التسجيل السمعي البصري. يمكن للمحكمة كلما اقتضى الأمر المطالبة بمحتوى التسجيل الذي يحتفظ به طبقا لأحكام المادة 113 من هذا المشروع .
وحيث يستنج ان المشروع حدد وحصر نطاق التسجيل السمعي البصري لعملية الاستماع للمشتبه فيه في الجنايات والجنح التي تساوي او تتجاوز عقوبتها خمس سنوات، مما ينم على ان المشروع أقصى الجنح الضبطية من زمرة الجرائم التي يستلزم فيها هذا الاجراء المسطري الذي سيساهم لا محالة في تعزيز حقوق وحريات الافراد في مرحلة البحث التمهيدي في افق تقوية ضمانات المحاكمة العادلة على مستوى مرحلة الإشتباه، هذا بالاضافة الى أنه حتى وإن دخل المشروع حيز التنفيذ الا أن هذا الاجراء لن يرى على مستوى الممارسة العملية الإبعد صدور النص التنظيمي الذي ينظم كيفية التسجيل السمعي البصري.
وفي إطار تعزيز هذه المراقبة تقوية لحقوق الانسان ومسايرة للاتزامات الدولية التي صادقت عليها المملكة المغربية والتي يلزمها دستور المملكة بملائمتها مع القوانين الوطنية، فإن المشروع اوجب على وكيل الملك أن يقوم بزيارة اماكن الوضع تحت الحراسة النظرية أو يكلف أحد نوابه بذلك إذا بلغ باعتقال تعسفي أو عمل تحكمين ويحرر تقريرا بها يضمنه ملاحظاته وما يعاينه من إخلالات، ويرفعه إلى الوكيل العام للملك.
يتخذ الوكيل العام للملك الاجراءات والتدابير اللازمة لوضع حد لهذا الاخلال ويرفع تقريرا بذلك إلى رئيس النيابة العامة .
ويتبن ان المشروع قد ساير التطورات الاخيرة على مستوى الاستقلال المؤسساتي للسلطة القضائية، سيما استقلال رئاسة النيابة العامة عن السلطة الحكومية المكلفة بالعدل التي كرسها قانون رقم 33-17 الذي بموجبه تم نقل اختصاصات وزير العدل بصفته رئيسا للنيابة العامة الى الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض ، حيث ان المشروع الزم احالة التقرير المنجز من طرف الوكيل العام بمناسبة الاختلالات التي عايتها على مستوى غرف الامان الى رئيس النيابة العامة وليس وزير العدل كما هو عليه الحال في قانون المسطرة الجنائية وان كان هذا المقتضى اصبح مجمد بموجب القانون الذي نقلت بشأنه اختصاصات وزير العدل الى الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض فيما كل ما يتعلق بالنيابة العامة، على اعتبار ان رئيس النيابة العامة هو الذي اصبح بمقتضى المشروع يحدد معايير تنقيط ضباط الشرطة القضائية بقرار بعد استطلاع رأي الجهة المشرفة إداريا عليهم .
لم تقف هذه الضمانات الاجرائية عند هذا الحد، بل ان واضع المشروع أبى الا ان يقوي ضمانات المشتبه فيه الموضوع في الحراسة النظرية؛ اذ المشررع ضابط الشرطة القضائية بمسك سجل ترقم صفحاته وتذيل بتوقيع وكيل الملك في كل الأماكن التي يمكن أن يوضع فيها الأشخاص تحت الحراسة النظرية .
تقيد في هذا السجل هوية الشخص الموضوع تحت الحراسة النظرية وسبب ذلك وساعة بداية الحراسة النظرية وساعة نهايتها، ومدة الاستنطاق وأوقات الراحة والحالة البدنية والصحية للشخص الموقوف والتغذية المقدمة له.
يجب أن يوقع في هذا السجل الشخص الذي وضع تحت الحراسة النظرية وضابط الشرطة القضائية بمجرد انتهائها، وإذا كان ذلك الشخص غير قادر على التوقيع أو البصم، أو رفض القيام به يشار إلى ذلك في السجل.
كما يجب أن يعرض هذا السجل على وكيل الملك للاطلاع عليه ومراقبته والتأشير عليه مرة في كل شهر على الأقل.
وتنقل محتويات السجل فورا إلى سجل إلكتروني وطني وجهوي للحراسة النظرية، ويتم الاطلاع على هذا السجل من قبل رئيس النيابة العامة والسلطات القضائية المختصة والجهات المخول لها قانونا بذلك.
تقوم النيابة العامة بمراقبة الوضع تحت الحراسة النظرية، ويمكن لها أن تأمر في أي وقت بوضع حد لها أو بمثول الشخص الموضوع تحت الحراسة النظرية أمامها .
ثانيا: المتغير في إجراءات وأحكام التفتيش
تعد إجراءات البحث والتحري أكثر إجراءات المسطرة الجنائية تأثرا بالتحولات العامة الإجتماعية والإقتصادية والتكنولوجية التي يعرفها محيطها القانوني، فلما كانت الجريمة الإلكترونية بفعل طبيعتها وخصوصيتها قد قلبت العديد من المفاهيم القانونية السائدة سواء على مستوى القانون الموضوعي من حيث التجريم و العقاب بفعل ازدواجية طبيعتها بين جريمة إلكترونية محضة تستهدف الأنظمة والبيانات الإلكترونية في حد ذاتها، أو كجريمة عادية مرتكبة بواسطة تقنية المعلومات كآلية من أجل التواصل والتخطيط لتنفيذ المشاريع الإجرامية ، أو على مستوى القانون الإجرائي بفعل تغلبها على القواعد المسطرية المقررة كأصل عام للبحث وملاحقة مرتكبي الجرائم العادية ومحاكمتهم، فإن البحث عنها في بيئة رقمية تختلف عن البيئة التي اعتادت أجهزة إنفاذ القانون البحث والتحري فيها، فإن هذا قد أسهم في ظهور مجموعة من الإجراءات والتدابير المستحدثة للبحث عن الجريمة الإلكترونية تتناسب مع خصوصية وطبيعة هذا النوع من الجرائم، مما دفع بالمشرع المغربي إلى محاولة تقنين التفتيش الرقمي في افق التصدي للجرائم التي تقع على نظم المعلوميات من خلال مسودة مشروع قانون المسطرة الجنائية، حيث نصت المادة 57 من ذات المشروع على انه يتولى ضابط الشرطة القضائية البحث عن الآثار والمعالم المتخلفة من الجريمة ويقوم برفعها باعتماد الوسائل الفنية التي يستلزمها هذا الإجراء. كما يقوم برفع الآثار الرقمية وحجز التسجيلات السمعية البصرية من مكان ارتكاب الجريمة، و يجري ضابط الشرطة القضائية كذالك التفتيش في جميع الأماكن والمنقولات التي يمكن أن يعثر بها على مستندات أو وثائق أو معطيات أو أدوات أو برامج معلوماتية أو أشياء أخرى مفيدة في إظهار الحقيقة.
ويتم إجراء تفتيش رقمي بالأجهزة المعلوماتية والأدوات الإلكترونية كلما دعت ضرورة البحث ذلك، وحجز جميع البيانات والأدلة الإلكترونية والآثار الرقمية المفيدة في إظهار الحقيقة بما فيها تلك التي تم فك تشفيرها أو استرجاعها بعد حذفه، ويمكن، بإذن من النيابة العامة المختصة، أن تكون الأجهزة المعلوماتية ودعامات التخزين المحجوزة موضوع خبرة تقنية من قبل المختبرات المتخصصة في تحليل الآثار الرقمية من أجل استخراج البيانات والأدلة الإلكترونية والآثار الرقمية ذات الصلة بالجرائم موضوع البحث، وذلك بعد الحصول على قن الولوج طواعية من قبل المشتبه فيه، أو باستعمال برامج معلوماتية تمكن من فك تشفير هذه الأجهزة أو استرجاع البيانات التي تم حذفها، ويتم حجز المعطيات والبرامج المعلوماتية الضرورية لإظهار الحقيقة بوضع الدعامات المادية المتضمنة لهذه المعلومات أو بأخذ نسخ منها، بحضور الأشخاص الذين حضروا التفتيش، ويوضع ما تم حجزه رهن إشارة العدالة.
ولايجوز لضابط الشرطة القضائية حجز إلا المستندات أو الوثائق أو المعطيات أو الأدوات أو البرامج المعلوماتية أو الأشياء الأخرى المفيدة في إظهار الحقيقة، ويمكن بعد موافقة النيابة العامة حجز كل شيء يتم العثور عليه عرضا خلال التفتيش وله علاقة بجريمة اخرى.
ويمكن لضباط الشرطة القضائية، بمناسبة إجراء تفتيش وفقا للشروط المنصوص عليها في هذا القانون الولوج إلى المعطيات المفيدة في البحث الجاري والمخزنة بنظام معلوماتي يوجد بالمكان الذي يجري فيه التفتيش أو بنظام معلوماتي آخر متصل به، و تخزن المعطيات التي تم الولوج إليها على أي دعامة إلكترونية أو يتم حجز هذه الدعامة ووضعها في غلاف أو وعاء أو كيس ويختم عليها ضابط الشرطة القضائية وفقا للشروط المنصوص عليها، ويمكن لضابط الشرطة القضائية في هذا الصدد انتداب أي شخص لمساعدته للولوج للمعطيات المذكورة.
وأجاز المشروع في هذا المضمار للوكيل العام للملك أو وكيل الملك كل فيما يخصه، أن يأمر بالحذف النهائي للمعطيات أو البرامج المعلوماتية الأصلية من الدعامة المادية التي لم توضع رهن إشارة المحكمة بعد أخذ نسخة منها إذا كانت حيازتها أو استعمالها غير مشروع أو كانت تشكل خطرا على أمن الأفراد أو الممتلكات أو منافية للأخلاق العام، كما يمكن لهما أن يأمرا بإيقاف بت أو حجب نشر معطيات رقمية يشكل مضمونها جريمة، ويحرر محضر بالحذف أو الحجب أو بإيقاف البت يضاف إلى المسطرة .
وجدير بالذكر في هذا الصدد ان مسودة المشروع فيما يتعلق بالتفتيش ألزمت ضابط الشرطة القضائية باتخاذ الإجراءات المناسبة لإبعاد القاصرين عن حضور عملية التفتيش ما لم يكن القاصر معنيا بالجريمة، وفي هذه الحالة يتعين أن يتم التفتيش بحضور وليه القانوني، وإذا تعذر ذلك، فإنه يجب على ضابط الشرطة القضائية أن يستدعي شاهدين الحضور التفتيش من غير الموظفين الخاضعين لسلطته .
ومن المستجدات التي جاء بها المشروع كذلك على مستوى الحالات الإستثنائية التي يمكن التفتيش فيها خارج الوقت القانوني انها أجازت لضابط الشرطة القضائية إجراء تفتيش خارج الوقت القانوني اذا تعلق الامر بضبط شخص محبوث عنه وتشكل هذه الحالة من الحالات التي تثير اشكالات على مستوى الممارسة العملية وتتجسد غالبا في الحالة التي يضبط فيها ضابط الشرطة القضائية شخص متلبس بجريمة، فيلوذ بالفرار ويدخل منزل معين ويكون حينها الوقت قد تجاوز التاسعة ليلا فيتراجع حينها الضابط عن الدخول للمنزل قصد ضبط المشتبه فيه الفار، إلا أن الفقرة الأولى من المادة 62 من م.م.ق.م.ج قد حاولت وضع حد لهذا الإشكال؛ اذ أدرجت ضبط المبحوث عنه ضمن الحالات التي يمكن فيها للضابط إجراء تفتيش خارج التوقيت القانوني .
الفقرة الثانية: في اليات تجويد الابحاث الجنائية
إن خطورة الجريمة وتطور الساليبها أصبحت تتطلب من آليات وأجهزة العدالة الجنائية اللجوء إلى أساليب متطورة لمكافحتها. ولذلك أصبح الأمر يتطلب تنظيم استعمال بعض التقنيات الحديثة في البحث والتحري أو التحقيق أو المحاكمة، وتقوية صلاحيات أجهزة العدالة وفق ضوابط ومعايير محددة تضمن التناسب مع المصالح الأساسية المحمية في مجال الحقوق والحريات تفاديا لكل استعمال من شأنه المس بها.
وفي هذا الإطار، وتماشيا مع ما تم التنصيص عليه في العديد من الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها المملكة المغربية في مجال مكافحة الجريمة، وفي مقدمتها اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية تم تنظيم تقنيات البحث الخاصة كتنظيم اختراق العصابات والشبكات الإجرامية (اولا)، المشاركة في فرق بحث دولية مشتركة (ثانيا).
وقد تم تقييد اللجوء إلى هذه التقنيات بضوابط تحدد طبيعة الجرائم الخاضعة لها ومدد اعتمادها وشكليات إجرائها ورقابة القضاء عليها، وترتيب جزاءات جنائية على مخالفة ضوابط اعتماده.
أولا : آلية الاختراق
إن تطور أساليب الجريمة وتهديدها للمجتمعات أصبحت تتطلب من آليات وأجهزة العدالة الجنائية اللجوء إلى أساليب متطورة لمكافحتها. ولذلك أصبح الأمر يتطلب تنظيم استعمال بعض التقنيات الحديثة في البحث والتحري أو التحقيق أو المحاكمة، حيث ان المشروع استحدث في افق تجويد أساليب البحث الجنائي حيال تطور اليات الجريمة المنظمة العابرة للحدود ألية تنظيم اختراق العصابات والشبكات الإجرامية من خلال تمكين ضباط أو أعوان الشرطة القضائية تحت إشراف ومراقبة النيابة العامة من تتبع ومراقبة الأشخاص المشتبه في ارتكابهم إحدى الجرائم المنصوص عليها في المادة 108 وذلك وفق ضوابط قانونية محددة حسب المعايير المتعارف عليها دوليا، و كذا تمكين ضباط وأعوان الشرطة القضائية الأجانب من مباشرة عملية الاختراق فوق التراب المغربي تحت إشراف ومراقبة ضابط شرطة قضائية مغربي استنادا إلى طلب رسمي صادر عن السلطات القضائية الأجنبية المختصة.كما تم فتح الباب بالمقابل أمام ضباط وأعوان الشرطة القضائية المغاربة لتنفيذ عمليات اختراق بالخارج، بموافقة السلطات الأجنبية التي تنفذ عملية الاختراق على أراضيها.
وحيث ان المشروع ربط هذه استعمال هذه الآلية بان تتعلق الجريمة موضوع البحث بإحدى الجرائم المنصوص عليها في المادة 108 من ق.م.ج، وان تقتضي ضرورة البحث ذلك، إلى جانب حصول ضابط الشرطة القضائية على إذن مكتوب من النيابة العامة المختصة، إذ نصت المادة 82-3-1 من شروع ق.م.ج على أنه إذا اقتضت ضرورة البحث القيام بمعاينات الجريمة أو أكثر من الجرائم المنصوص عليها في المادة 108 بعده، فإنه يجوز للنيابة العامة أن تأذن تحت مراقبتها بمباشرة عملية الاختراق اذ يمكن الاختراق ضابط أو عون الشرطة القضائية المختص تحت إشراف ومراقبة النيابة العامة، من تتبع ومراقبة الأشخاص المشتبه فيهم من خلال التظاهر أمام هؤلاء الأشخاص بأنه فاعل أو مساهم أو مشارك أو مستفيد من الأفعال الإجرامية موضوع البحث. ويمكنه لهذه الغاية استعمال هوية مستعارة، ويمكنه أيضا عند الضرورة، ارتكاب إحدى الأفعال المبيئة في المادة 2-3-82 التي حصرتها في:
1- اكتساب أو حيازة أو نقل أو تسليم أو استلام ممتلكات أو أموال أو وثائق أو معلومات أو أشياء مجرمة أو متحصلة من ارتكاب جرائم، أو استخدمت لارتكاب جرائم أو معدة لارتكابها ؛
-2 استعمال وسائل قانونية أو مالية أو وسائل نقل أو تخزين أو إيواء أو حفظ أو اتصال، أو وضعها رهن إشارة الأشخاص المتورطين في هذه الجرائم؛
3- استخدام هوية أو صفة مستعارة أو الاستعانة، تحت مسؤولية ضابط الشرطة القضائية، بأي شخص مؤهل للقيام بذلك، في وسائل التواصل الإلكترونية مع واحد أو أكثر من الأشخاص الذين يشتبه في كونهم ارتكبوا أو سيرتكبون جرائم أو القيام بواسطة هذه الهوية أو الصفة المستعارة بإحدى العمليات المشار إليها في البندين 1 و 2 أعلاه أو استخراج أو إرسال جواب على طلب صريح أو الحصول أو الاحتفاظ بمحتويات غير مشروعة مكونة للجريمة؛
لا يجوز أن تشكل الأفعال المذكورة بأي حال من الأحوال تحريضا على ارتكاب الجريمة تحت طائلة بطلان عملية الاختراق والدليل المستمد منها.
لا يكون مسؤولا جنائيا ضباط وأعوان الشرطة القضائية المأذون لهم بتنفيذ عملية اختراق بمناسبة مباشرتهم للعمليات المشار اليها أعلاه.
ولا يكون مسؤولا جنائيا كذالك بالنسبة للأفعال المرتبطة مباشرة بتنفيذ عملية الاختراق، كل الأشخاص الذين تمت الاستعانة بهم لإتمام عملية الاختراق المعينون سلفا من قبل ضباط الشرطة القضائية المأذون لهم بمباشرتها إذا كانت النيابة العامة قد أشعرت بذلك.
تكون عملية الاختراق موضوع محضر أو تقرير ينجز من قبل ضابط الشرطة القضائية الذي عهد إليه بتنسيق العملية، يتضمن العناصر الأساسية الضرورية لمعاينة الجرائم دون أن تعرض سلامة ضابط أو عون الشرطة القضائية منفذ العملية والأشخاص المبينين أدناه للخطر.
تكون باطلة كل عملية اختراق تتم خرقا لأحكام هذه المادة.
يوضع الإذن المذكور وجميع المحاضر والتقارير المنجزة بهذا الشأن في ملف سري لدى النيابة العامة.
ويتعين أن يكون الإذن بمباشرة عملية الاختراق تحت طائلة البطلان مكتوبا ومعللا ويتضمن تحديد الجريمة أو الجرائم التي تبرر اللجوء إلى هذه العملية، وهوية وصفة ضابط الشرطة القضائية الذي تتم تحت مسؤوليته. كما يحدد المدة المأذون خلالها بمباشرة عملية الاختراق والتي لا يمكن أن تتجاوز أربعة أشهر قابلة للتمديد مرة واحدة بنفس الشروط.
يمكن للنيابة العامة التي أذنت بإنجاز العملية أن تأمر في كل حين وبقرار معلل بتعديل أو تتميم أو وقف العملية حتى قبل انتهاء المدة المحددة لها.
يمكن وضع الإذن رهن إشارة هيئة المحكمة بطلب منها لتطلع عليه وحدها عند الاقتضاء .
وفي حالة اذا قررت النيابة العامة التي منحت الإذن وقف عملية الاختراق أو إذا انتهى الأجل المحدد من قبلها الإنجاز العملية دون أن تمدده، فإنه يجوز لضابط أو عون الشرطة القضائية منفذ العملية أن يستمر في الأفعال المبينة في المادة 2-3-82 أعلاه دون أن يكون مسؤولا جنائيا، وذلك خلال الوقت الكافي لإيقاف التدخل متى كان ذلك ضروريا لضمان أمنه وسلامته على ألا تتجاوز هذه المدة أربعة أشهر. تشعر النيابة العامة التي منحت الإذن باستمرار عملية الاختراق في أقرب الآجال.
وإذا انتهت هذه المدة المذكورة دون أن يتمكن الضابط منفذ عملية الاختراق من إنهاء مهامه في ظروف تضمن أمنه وسلامته، فإن النيابة العامة التي منحت الإذن تقوم بتمديد هذه المدة أربعة أشهر إضافية، ويقوم ضابط الشرطة القضائية المسؤول عن عملية الاختراق بإحصاء العائدات المالية والأشياء العينية المتحصل عليها من الأفعال الإجرامية، ويحيلها إلى النيابة العامة رفقة المحضر.
ولم يغب عن ذهن واضع المسودة حماية منفذ عملية الاختراق، حيث انه وفي إطار حماية الضابط أو عون الشرطة القضائية منفذ عملية الاختراق بهوية مستعارة منع المشروع الكشف عن الهوية الحقيقية له في أية مرحلة من مراحل العملية، حيث عاقب، دون الإخلال بالمقتضيات الجنائية الأشد، بالحبس من سنتين إلى خمس سنوات وبغرامة من 2000 إلى 5000 درهم كل من كشف الهوية الحقيقية لضابط أو عون الشرطة القضائية منفذ عملية الاختراق بهوية مستعارة.
وإذا نتج عن كشف الهوية الحقيقية لضابط أو عون الشرطة القضائية منفذ عملية الاختراق عنف أو ضرب أو جرح أو إيذاء في حقه أو في حق زوجه أو أحد أصوله أو أحد فروعه أو مكفوليه، فإن العقوبة تكون السجن من خمس إلى عشر سنوات والغرامة من 5000 إلى 10.000 درهم.
أما إذا نتج عن كشف الهوية فقد عضو أو بتره أو الحرمان من منفعته أو عمى أو عور أو أي عاهة دائمة أخرى في حق ضابط أو عون الشرطة القضائية منفذ عملية الاختراق أو في حق زوجه أو أحد أصوله أو أحد فروعه أو مكفوليه، فإن العقوبة تكون السجن من عشر إلى عشرين سنة والغرامة من 5000 إلى 20.000 درهم.
وفي حالة إذا نتج عن ذلك موت ضابط أو عون الشرطة القضائية منفذ عملية الاختراق أو زوجه أو أحد أصوله أو أحد فروعه أو مكفوليه، فإن العقوبة تكون السجن من عشر إلى خمس وعشرين سنة والغرامة من.20.000 إلى 50.000 درهم.
وشدد المشروع العقوبة إذا تم كشف الهوية الحقيقية لضابط الشرطة القضائية منفذ عملية الاختراق هوية مستعارة من قبل الشخص الذي استعان به لإتمام عملية الاختراق، تضاعف العقوبة المقررة في الفقرات السابقة من هذه المادة. وإذا تجاوز الحد الأقصى في هذه الحالة خمس وعشرين سنة فإن العقوبة تكون هي السجن المؤبد .
ثانيا : آلية تكوين فرق بحث دولية مشتركة
خولت مسودة مشروع قانون المسطرة الجنائية للسلطات القضائية المختصة، في إطار اتفاقيات التعاون القضائي أو في إطار المعاملة بالمثل بتكوين فرق مشتركة للبحث سواء في إطار مسطرة قضائية وطنية تتطلب إنجاز أبحاث معقدة وإمكانيات ضخمة وتهم المملكة المغربية ودولا أخرى، أو عندما تباشر مجموعة من الدول أبحاثا في شأن جرائم تتطلب عملا منسقا ومركزا بين هذه الدول.
وضمانا لنجاعة هذه الآلية، فقد تم تحويل ضباط الشرطة القضائية الأجانب نفس الاختصاصات المسندة لضباط الشرطة القضائية المغاربة، لاسيما في مجال معاينة الجرائم وتحرير محاضر بشأنها وفق الشكل الذي يتطلبه قانونهم الوطني عند الضرورة وتلقي التصريحات المدلى بها أمامهم وتحرير محاضر بشأنها ومساعدة ضباط الشرطة القضائية المغربية في أداء مهامهم والقيام بعمليات المراقبة كما تم منح نفس الصلاحية الضباط الشرطة القضائية المغاربة بالمشاركة في فرق بحث مشتركة بالخارج، حيث نصت المادة 4-713 من م.م.ق.م.ج على انه يمكن للسلطات القضائية المختصة في إطار اتفاقيات التعاون القضائي أو في إطار المعاملة بالمثل تكوين فرق مشتركة للبحث سواء في إطار مسطرة قضائية وطنية تتطلب إنجاز أبحاث معقدة وإمكانيات ضخمة وتهم المملكة المغربية ودولا أخرى، أو عندما تباشر مجموعة من الدول أبحاثا في شأن جرائم تتطلب عملا منسقا ومركزا بين هذه الدول.
ويمكن في هذا الصدد لضباط الشرطة القضائية الأجانب المعينين من قبل دولة أجنبية، لدى إحدى الفرق المشتركة للبحث بعد موافقة السلطات المختصة في الدولة أو الدول المعنية وفي حدود المهام المرتبطة بوضعيتهم، أن يقوموا تحت إشراف السلطات القضائية المختصة ورئاسة ضباط شرطة قضائية مغاربة بتنفيذ مهامهم فوق مجموع التراب الوطني وإجراء العمليات الآتية:
– معاينة جميع الجنايات والجنح والمخالفات وتحرير محاضر بشأنها وفق الشكل الذي يتطلبه قانونهم الوطني عند الضرورة؛
– تلقي التصريحات المدلى بها أمامهم من قبل أي شخص بإمكانه تقديم معلومات حول الوقائع المعينة وتحرير محاضر بشأنها وفق الشكل الذي يتطلبه قانونهم الوطني عند الضرورة؛
– مساعدة ضباط الشرطة القضائية المغربية في أداء مهامهم؛
-القيام بعمليات المراقبة والاختراق وفقا للشروط المحددة في هذا القانون
ويمارس ضباط الشرطة القضائية الأجانب بفرق البحث المشتركة هذه المهام في حدود العمليات التي كلفوا بالقيام بها .
ويمكن للوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف أن يأذن بعد موافقة رئيس النيابة العامة لضباط الشرطة القضائية المغاربة بالمشاركة بالخارج في فرق مشتركة للبحث، إذا وافقت على ذلك السلطات الأجنبية التي يجري البحث في إقليمها، ويحال الطلب إلى وزير العدل بواسطة رئيس النيابة العامة قصد تبليغه للسلطات الأجنبية بالطريقة الدبلوماسية ما لم تنص اتفاقية على خلاف ذلك .
خاتمة
يكتسي قانون المسطرة أهمية بالغة بالنظر للدور الهام الذي يضطلع به في تحقيق التوازن بين سلطة العقاب التي تتوفر عليها الدولة وضمان حماية حقوق وحريات الأشخاص، وهو ما يقتضي الحرص على سن قواعد إجرائية يراعى فيها الضوابط والمعايير المتفق عليها دوليا في مقدمتها مبدأ الضرورة الذي يقتضي التقيد بما هو ضروري لوضع قاعدة إجرائية ماسة بالحرية، ومبدأ التناسب الذي يستدعي مراعاة التوازن بين الحرية والحق المراد المساس به، والغاية المتوخاة من وضع القاعدة الإجرائية، ثم مبدأ الشرعية الذي يقتضي خضوع الإجراء للضوابط القانونية المعتمدة.
والجدير بالذكر، أن قانون المسطرة الجنائية بالمغرب مر بمحطات تاريخية مهمة انطلاقا من قانون المسطرة الجنائية الصادر بتاريخ 10 فبراير 1959، الذي أنهى مع مرحلة تطبيق العديد من القوانين الإجرائية التي فرضتها المرحلة السابقة، ووضع أول قانون إجرائي موحد كرس مجموعة من الضمانات وحقق فعالية على مستوى تدبير إجراءات الدعوى العمومية، قبل أن يعزز بتعديلات بموجب الظهير الشريف المتعلق بالإجراءات الانتقالية الصادر بتاريخ 28 شتنبر 1974، الذي أقر تغييرات مرحلية يعمل بها إلى حين اعتماد قانون جديد للمسطرة الجنائية، وقد استمر العمل به ما يقارب عقود من الزمن، مع ما رافقه من تطلعات فقهية وقضائية وحقوقية لمزيد من الضمانات والتطورات على مستوى الإجراءات، خاصة بعد إحداث المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان وتجربة هيئة الإنصاف والمصالحة وما واكبها من إصلاحات على مستويات.
وقد شكل صدور القانون رقم 22.01 المتعلق بالمسطرة الجنائية الجاري به العمل، حدثا هاما عكس الروح التوافقية لجميع الفاعلين في سن قانون إجرائي عصري يواكب التحولات التي عرفتها الساحة الوطنية على مستويات متعددة، وفي مقدمتها جهود المملكة المغربية في تعزيز النهوض بحقوق الإنسان واحترام سيادة القانون. حيث كان الهاجس هو توفير ظروف المحاكمة العادلة وفقا للنمط المتعارف عليه عالميا واحترام حقوق الأفراد وصون حرياتهم والحفاظ على المصلحة العامة والنظام العام وسلامة الأشخاص والممتلكات وترسيخ بناء دولة الحق والقانون، مع تلافي كل السلبيات والملاحظات التي أفرزتها الممارسة العملية.
وهو ما تجسد فعليا من خلال العديد من التعديلات التي عرفها القانون السالف الذكر بين الفينة والأخرى، لمواكبة التحولات التي تعرفها منظومة العدالة الجنائية على المستوى الدولي والوطني، وإيجاد أجوبة وردود على التطور الكمي والكيفي للجرائم خاصة في ظل تنامي الجريمة المنظمة عبر الوطنية، وتوفير ضمانات المحاكمة العادلة وفق ما كرسته المواثيق الدولية ذات الصلة ودستور المملكة المغربية.
وتسعى هذه المبادرة التشريعية إلى تكريس مجموعة من المبادئ والمرتكزات التي يتعين استحضارها عند تطبيق أحكامه من طرف المخاطبين بها، وفي مقدمتهم القاضي الذي يتولى وفق مقتضيات الفصل 117 من الدستور حماية حقوق الأشخاص والجماعات وحرياتهم وأمنهم القضائي وتطبيق القانون، ومن أهم هذه المبادئ التي يرتكز عليها هذا القانون.
زر الذهاب إلى الأعلى