
جريدة احداث الساعة 24
تقديم
إن العدالة الجنائية هي مجموعة من العناصر المتعاونة فيما بينهما في سبيل إحقاق العدل والإنصاف، بدءا بمرحلة البحث والتحقيق في الجرائم، مرورا
بمرحلة إصدار الحكم،انتهاء بمرحلة تنفيذ الحكم.
والعدالة الجنائية تهدف إلى تحقيق العدل والإنصاف بين أطراف ثلاثة وهي: المنسوب إليه ارتكاب الجريمة المتهم)، حيث يجب أن توفر له كافة الضمانات القانونية والعملية في جميع المراحل السابقة، أما الطرف الثاني فهو الضحية، ففي حال ثبوت أركان الجريمة وجب تعويضه تعويضا عادلا عما لحقه من أضرار مادية ومعنوية، أما الطرف الأخير فلا علاقة له بالجريمة بشكل مباشر وهو المجتمع الذي ينتمي إليه كل من المتهم والضحية والذي ينبغي إنصافه عن طريق إقامة العدل سواء مع المتهم أو مع الضحية حتى لا يفقد المجتمع ثقته في العدالة وما تمثله من سيادة للقانون إذا ما تم تبرئة المتهم رغم وجود حجج دامغة ضده، مما قد يشجع أشخاصا آخرين على ارتكاب جرائم مماثلة، وأيضا عقاب أي شخص وإدانته بغير وجه حق قد يضر بالمجتمع.
ويعتبر القضاء السلطة الأهم التي يلجأ إليها الشخص للدفاع عن حقوقه لذا وجب أن يتميز هذا الأخير في تعاطيه مع المتقاضين بأن يكون ضامنا لكل حق دافعا كل مظلمة، وهذا لن يتأتى إلا إذا كان القضاء بصفة عامة والقضاء الجنائي بصفة خاصة مراعيا هدف المشرع من رصد هذه الحماية الجنائية في حال كانت هناك جريمة.
ومن هذه الضمانات كذلك ضرورة مراعاة الشرعية الجنائية ومراعاة مبدأي المساواة أمام القضاء واستقلاله عن أية سلطة أخرى أو أي مؤثر خارجي مهما كان.
وتبعا لذلك، يأتي دور جهاز القضاء في إطار قانون الشغل الجنائي باعتباره المكون الرئيسي في العدالة الجنائية بعد عملية ضبط جرائم نزاعات الشغل الجماعية وتحرير التقارير بشأنها من طرف الهيئات المختصة وإحالتها عليه؛ فممارسة الدعوى الجنائية بشأن جرائم نزاعات الشغل الجماعية لا تختلف كثيرا عن ما هو مقرر في نصوص المسطرة الجنائية بخصوص سائر الجرائم، خاصة فيما يتعلق بتحريك الدعوى العمومية، سواء ضد شخص طبيعي أو معنوي.
فجرائم نزاعات الشغل الجماعية يتم البت فيها من طرف القضاء العادي، حيث يصدر القاضي الجنائي جزاءات تبعا لظروف كل قضية وللحجج والأدلة المقدمة في الإثبات وبالنظر الخصوصيات القضايا المعروضة في إطار تشريع الشغل الجنائي، فهذه الجزاءات قد تتضمن عقوبات أصلية وأخرى إضافية بحسب الجرائم التي تم ارتكابها، وإن كان قانون الشغل الجنائي قد جعل من الغرامة عقوبة أساسية لزجر المخالفات المرتكبة ولم ينص على العقوبات الأخرى إلا بصفة استثنائية .
وبذلك، فدور الجهاز القضائي يبقى مهما في السياسة الزجرية المتبعة في إطار جرائم نزاعات الشغل الجماعية سواء من خلال ممارسة الدعوى العمومية أمام القضاء المختص، أو من خلال الفصل فيها من طرف قضاء الحكم .
لا تختلف كثيرا الدعوى الجنائية بخصوص جرائم نزعات الشغل الجماعية عن غيرها من الدعاوى، إذ تخضع مبدئيا إلى قواعد المسطرة الجنائية مع بعض الخصوصيات القليلة فيما يتعلق بطرق إحالة المحاضر على النيابة العامة، إذ أن الأسلوب المسطري المعتمد في الإحالة قد يعرف نوعا من التجميد باسم القانون نظرا لوجود مسطرة خاصة في إطار مدونة الشغل؛ إذ أن رئيس اللجنة الإقليمية أو الوطنية للبحث والمصالحة أو المحكم ملزم تشريعيا بإحالة المحاضر المتضمنة للأفعال المجرمة على السلطة العليا في إطار التسلسل الإداري، بحيث تملك هذه الأخيرة إحالة المحضر على الجهة القضائية المختصة كما يمكنها الإحجام عن ذلك في إطار ما تملك من سلطة .
وإذا كانت القاعدة أن ارتكاب كل جريمة يفرض تحريك الدعوى العمومية بشأنها من أجل تطبيق العقوبات المقررة على مرتكبيها نظرا لمساسها بالنظام العام، فان حق تحريك الدعوى الجنائية في جرائم نزاعات الشغل الجماعية وممارستها ومراقبتها مكفول للنيابة العامة حصرا.
ولئن كان من أهداف تحريك الدعوى العمومية هو توقيع العقوبة المقررة بمقتضى القانون على الطرف الجاني، لذلك فإن المشرع تشدد في من يتولى تحريكها، إذ تبقى النيابة العامة الجهاز القضائي الأكثر ممارسة للدعوى العمومية في جرائم نزاعات الشغل الجماعية، على اعتبار أنها ممثلة للحق العام، وتملك سلطة الملاءمة في المتابعة أو الحفظ.
وهذه الوظائف تتم ممارستها عبر جملة من الإجراءات المسطرية التي تنظم كيفية تحريك الدعوى العمومية في حرائم نزاعات الشغل الجماعية ، وهذه المساطر والإجراءات القضائية تشكل أولى لبنات المحاكمة العادلة، الشيء الذي جعل النيابة العامة كمؤسسة قضائية تقوم بأدوار مركزية في تطبيق وتنزيل المقتضيات القانونية عن طريق مجموعة من الإجراءات والمساطر في هذا النوع من الاجرام التي سنتعرف عليها في هذا المقال المتواضع.
وبناء على ما سبق سنحاول أن نتطرق الى خصوصية احالة محاصر التحري و البحث بشان جرائم نزاعات الشغل الجماعية على النيابة العامة ( المطلب الأول)
على أن نخصص المطلب الثاني لبدائل و طرق إقامة الدعوىالعمومية من طرف وكيل للملك في جرائم نزاعات الشغل الجماعية(المطلب الثاني) .
المطلب الاول: خصوصية احالة محاضر معاينة جرائم نزاعات الشغل الجماعية على النيابة العامة.
المطلب الثاني : بدائل و طرق تحريك الدعوى العمومية في جرائم نزاعات الشغل الجماعية
المطلب الاول؛ خصوصية احالة محاضر معاينة جرائم نزاعات الشغل الجماعية على النيابة العامة .
خروجا عن القواعد المسطرية العامة التي تؤطر إجراءات البحث والتحري عن الجرائم، والتي تقتضي أن الجهة المحررة لمحاضر التثبت من الجرائم هي التي لها صلاحية إحالة تلك المحاضر على النيابة العامة لدراستها واتخاذ المتعين بشأنها، فإن مشرع مدونة الشغل قد زاغ عن هذه القواعد الإجرائية في التحري والبحث عن جرائم نزاعات الشغل الجماعية، حيث لم يجعل صلاحية إحالة المحاضر على النيابة العامة من اختصاص الجهة التي أوكل لها تحريرها بل اعتمد في ذلك على التسلسل الإداري؛ إذ جعل الجهة التي تعلو محرر المحضر هي التي لها صلاحية الإحالة على النيابة العامة( الفقرة الأولى)، إذ أن هذه الأخيرة بعد تلقيها تلك المحاضر تتولى دراستها، من ثم اتخاذ القرار المناسب بشأنها في إطار سلطة الملائمة، إذ تحرك المتابعة في حق المخالف لأحكام القانون الجنائي للشغل فيما يتعلق بنزاعات الشغل الجماعية أو تحفظها (الفقرة الثانية).
الفقرة الاولى : طرق احالة محاضر معاينة جرائم نزاعات الشغل الجماعية على النيابة العامة
لئن كان الأسلوب المعتمد في إحالة محاضر معاينة الجرائم بشتى أنواعها تحال مباشرة على النيابة العامة، فإن مشرع مدونة الشغل حاد عن التوجه الإجرائي في جرائم نزاعات الشغل الجماعية؛ إذ اعتمد أسلوبا مغايرا في إحالة تقارير التثبت من هذه الجرائم حيث نصت المادة 583 من مش على أنه: “إذا استدعى أحد الأطراف بصفة قانونية للمثول أمام اللجنة الإقليمية للبحث والمصالحة، أو أمام اللجنة الوطنية للبحث والمصالحة، أو أمام الحكم، أو أمام الغرفة التحكيمية، في حالة إجراء بحث تكميلي ولم يحضر من غير أن يكون لديه عذر مقبول ودون أن ينيب عنه ممثلا قانونيا، فإن رئيس اللجنة المعنية، أو الحكم يحرر تقريرا في الموضوع، ويوجهه إلى الوزير المكلف بالشغل الذي يحيله إلى النيابة
العامة”.
وهو نفس المقتضى الذي نصت عليه المادة 584 من نفس المدونة، حيث ذهبت إلى أنه: “إذا امتنع أحد الأطراف عن تقديم الوثائق المشار إليها في المادة 561 أعلاه، فإن رئيس لجنة البحث والمصالحة المعنية، أو الحكم، بعد تقريرا في الموضوع، ويوجهه إلى الوزير
المكلف بالشغل الذي يحيله إلى النيابة العامة.”
ويستنتج من المادتين أعلاه أن رئيس اللجنة الإقليمية أو الوطنية للبحث والمصالحة أو المحكم أو الغرفة الاجتماعية في حالة إجراء بحث تكميلي هي الجهات التي أسند لها القانون تحرير تقارير معاينة جريمتي الامتناع عن الحضور وعن الإدلاء بالوثائق المفيدة لهذه الجهات في تسوية النزاع الجماعي، دون أن يمنحها الاختصاص في إحالة هذه التقارير على سلطة الإتهام، بل أن المشرع أوكل هذه المهمة إلى الوزير المكلف بالشغل، حيث يقوم هذا الأخير بعد تلقي هذه التقارير من الجهات الموماً إليها أعلاه بإحالتها على النيابة العامة قصد تحريك الدعوى العمومية بشأنها أو حفظها في إطار سلطة الملائمة المخولة لها قانونا
وللإشارة، فإن هذا الأسلوب المسطري المتبع يبقى محل نقد ومثار جدل ونقاش لأنه يجعل من دور هذه الجهات دورا قانونيا خاليا من كل قوة رادعة، مما يعني أن التحول الذي شهدته مسطرة الإحالة في إطار مدونة الشغل من شأنه أن يفقد لهذه النصوص الزجرية بعض الفعالية، نظرا لربط مصير الدعوى العمومية بجهاز إداري مركزي عوض منح الاختصاص لهذه الهيئات للإحالة المباشرة على النيابة العامة.
وبالتالي، كان من الأجدر أن يتم التنصيص على إحالة التقرير مباشرة إلى النيابة العامة دون المرور بمؤسسة الوزير المكلف بالتشغيل، قصد تسريع المسطرة خاصة أن
طبيعة النزاع تستدعي السرعة ولا تحتمل المماطلة لارتباطها بالاستقرار الاجتماعي للدولة.
وتجدر الإشارة في ختام هذه الفقرة أن المشرع لم يشر إلى حجية التقارير المحررة في شأن التثبت من جرائم نزاعات الشغل الجماعية، وهذا على خلاف محاضر معاينة جرائم نزعات الشغل الفردية، حيث نصت الفقرة الأولى من المادة 539 من مش على أنه: “يقوم الأعوان المكلفون بتفتيش الشغل بمعاينة المخالفات المتعلقة بأحكام هذا القانون والمقتضيات التنظيمية الصادرة بتطبيقه، وتثبيتها في محاضر يوثق بمضمونها إلى أن يثبت عكس ما فيها ، وهو نفس التوجه الذي سار عليه مشرع قانون المسطرة الجنائية فيما يخص حجية محاضر الشرطة القضائية، حيث نصت المادة 290 من ق.م.ج على أنه: “المحاضر والتقارير التي يحررها ضباط الشرطة القضائية في شأن التثبت من الجنح والمخالفات، يوثق
بمضمنها إلى أن يثبت العكس بأي وسيلة من وسائل الإثبات”.
وعليه، وقياسا على المادتين أعلاه، فإن التقارير المحررة بشأن التثبت من جرائم نزاعات الشغل الجماعية تكون لها نفس القوة الثبوتية؛ إذ يوثق بمضمونها إلى أن يثبت العكس بجميع وسائل الإثبات المقررة قانونا.
الفقرة الثانية: الإطار القانوني لتدخل النيابة العامة في جرائم نزاعات الشغل الجماعية.
تعتبر النيابة العامة قضاء خاص، قائم لدى المحاكم الجنائية، لتمثيل المجتمع وهي
مكلفة بإقامة الدعاوى العمومية ومباشرتها وحمل المحاكم على جعل أحكامها منطبقة على القوانين النافذة، ثم تنفيذ هذه الأحكام بعد اكتسابها الدرجة القطعية.
والنيابة العامة كطرف أصلي في الدعوى العمومية تنعت كما سلف الذكر بالقضاء الواقف في الفقه الجنائي، وذلك لأن ممثلها يقف لزاما حين يأخذ الكلمة أمام المحكمة لبسط ملتمساتها أو لمناقشة أوجه إسناد التهمة إلى المتهم على عكس قضاة الأحكام الذين لا يقفون أبدا ولذلك يسمون بالقضاء الجالس.
كما تنعت النيابة العامة بالطرف الشريف في الدعوى، لأنه جرت العادة على أن تلتمس دائما إدانة المتهم وتشديد العقوبة سعيا منها إلى الدفاع عن المجتمع من كيد المجرمين والأشرار، فإنها مع ذلك إذا تنبهت إلى أن التماسها بإدانة المتهم يتعارض مع العدالة بسبب غلبة أدلة البراءة إلى جانب المتهم، تعدل عن ملتمساتها السابقة ولو كانت مكتوبة وتدافع عن الأصل الذي هو البراءة.
ويمثل النيابة العامة أمام المحاكم الابتدائية وكيل الملك أو بواسطة نوابه وهم يخضعون لإشرافه ومراقبته وإليه يرجع الاختصاص في تحريك ومتابعة الدعوى العمومية بالنسبة للجنح والمخالفات التي تختص المحكمة الابتدائية بالنظر فيها.
وقد حدد المشرع المغربي نطاق تدخل النيابة العامة في جرائم نزاعات الشغل الجماعية من خلال مادتين فريدتين، تتعلق الأولى بالمادة 583 من م. ش التي نظمت جريمة الامتناع عن المثول أمام الجهات الواردة في المادة ذاتها، حيث نصت على أنه: “إذا استدعي أحد الأطراف بصفة قانونية للمثول أمام اللجنة الإقليمية للبحث والمصالحة، أو أمام اللجنة الوطنية للبحث والمصالحة، أو أمام الحكم، أو أمام الغرفة التحكيمية، في حالة إجراء بحث تكميلي ولم يحضر من غير أن يكون لديه عذر مقبول ودون أن ينيب عنه ممثلا قانونيا، فإن رئيس اللجنة المعنية، أو الحكم، يحرر تقريرا و في الموضوع، ويوجهه إلى الوزير المكلف بالشغل الذي يحيله إلى النيابة العامة”.
وتتعلق الثانية بالمادة 584 من . م. ش. التي نظمت جريمة الامتناع عن الإدلاء بالوثائق المفيدة لرئيس اللجنة الإقليمية أو الوطنية للبحث والمصالحة، وللمحكم في تسوية النزاع الجماعي، حيث ورد فيها مايلي: “إذا امتنع أحد الأطراف عن تقديم الوثائق المشار إليها في المادة 561 أعلاه، فإن رئيس لجنة البحث والمصالحة المعنية، أو الحكم، يعد تقريرا في الموضوع، ويوجهه إلى الوزير المكلف بالشغل الذي يحيله إلى النيابة العامة. “
وهذه الوثائق التي تكون محل الجريمة أعلاه تتعلق بالمستندات والتسهيلات والمعلومات التي يمكن أن تستنير بها 119 الجهات السالفة الذكر التي منحها المشرع صلاحية الفصل في النزاع الجماعي قبل عرضه على القضاء، حيث تنص المادة 561 من مش على أنه: “يتمتع رئيس اللجنة الإقليمية للبحث والمصالحة بأوسع الصلاحيات لتقصي أوضاع المقاولات وأوضاع الأجراء المعنيين بنزاع الشغل الجماعي. ويمكن له أن يأمر بإجراء جميع الأبحاث والتحريات لدى المقاولات والأجراء العاملين بها، وأن يطلب من الأطراف تقديم كل المستندات أو المعلومات، كيفما كان نوعها، التي يمكنه أن يستنير بها. ويمكنه أنيستعين بخبراء أو بأي شخص آخر يرى فائدة في الاستعانة به.
وكذا المادة 562 من ذات المدونة التي تعزز المادة السالفة، إذ ذهبت إلى أنه: “يجب على أطراف النزاع تقديم كل التسهيلات والمستندات والمعلومات ذات العلاقة بالنزاع، والتي تطلبها اللجنة الإقليمية للبحث والمصالحة”.
وبناء على ما سبق تبيانه من خلال المادتين 583 و 584 من م.ش، يتضح بجلاء مركز النيابة العامة في هذا الصنف من الجرائم؛ إذ أن الجهات التي أسند لها المشرع صلاحية معاينة هاتين الجريمتين بعد تحريرها تقارير التثبت منهما، تقوم بإحالة هذه التقارير على الوزير المكلف بالتشغيل الذي يقوم بدوره بإحالتها إلى النيابة العامة، وهذه الإحالة تكون الغاية الأساسية منها هي تحريك الدعوى العمومية من طرف النيابة العامة 120 والتماس الإدانة طبقا لمقتضيات المادة 585 من م. ش التي تنص على أنه: “يعاقب بغرامة تتراوح بين 10.000 و 20.000 درهم عن مخالفة مقتضيات المادتين 583 و 584 أعلاه
المطلب الثاني: بدائل الدعوى العمومية في جرائم نزاعات الشغل الجماعية و طرق تحريكها
لا أحد يجادل اليوم في مدى ضعف الوسائل التقليدية القبلية والبعدية المستعملة في تدبير وتسيير الدعوى العمومية، وما تخلفه من مساوئ على نفسية المشتبه فيهم والمعتقلين هذا الأمر بدأ يطرح مبادرة البحث عن السبل البديلة لتفادي المخلفات السلبية للدعوى العمومية، وهي مجموعة من التدابير الإحترازية والوسائل التقنية التي يأخذ بها في المرحلة الابتدائية للدعوى العمومية، وتكمن أهميتها في تجنب الإجراءات القضائية المعقدة من جانب وتفادي حرمان الجانحين المحتملين من حقوقهم من جانب آخر.
وفي إطار الجهود الرامية إلى تجاوز مساوئ العقوبات المسطرية التقليدية، وما يستتبعها من أثار سلبية وخيمة أصبح البحث عن سياسة جنائية أكثر ملائمة للعصر والأفكار والنظريات السائدة، تقوم أساسا على حماية حقوق المشتبه فيهم والمعتقلين والمتهمين، وتأخذ بعين الاعتبار نوعية من الجانحين، وكذلك الطاقة الاستيعابية للمؤسسة السجنية.
ولما كان واقع المحاكمات يمر هو الآخر بجملة من المشاكل، وفي جو يضرب صلب العدالة الجنائية كمقوم أساسي للمحاكمة العادلة، أصبح البحث عن بدائل توقف الدعوى العمومية في بداية مرحلتها، حل لا بد منه، وذلك بالأخذ بأخف الأضرار، لا من حيث المصاريف ولا من حيث طول الإجراءات وتعقدها في كثير من الأحيان.
كما أن وضع حل للخصومة بين الأطراف بعيدا عن الإجراءات الجنائية، أي وفق مساطر جديدة بديلة لتحريك الدعوى العمومية، لأمر يترتب عنه تجنيب الجاني المثول أمام القضاء، مع ما يستتبع ذلك من شعور سيئ قد يظل يتابع المعني بالأمر فترة من الزمن، بل
أكثر من هذا تذهب إلى رأب الصدع وجبر الضرر والقضاء على الفتن والحد من النزاعات الانتقامية لدى الضحايا ( الفقرة الأولى).
وفي حالة تخلف شروط هذه البدائل، يصار إلى تحريك الدعوى العمومية من طرف النيابة العامة، والتي تختلف طرق تحريكها حسب نوعية الجريمة ووصفها القانوني (الفقرةالثانية).
الفقرة الأولى: بدائل الدعوى العمومية في جرائم نزاعات الشغل الجماعية.
قد ظل هاجس المشرع المغربي منذ مدة منشغلا بإشكالية كيفية رفع العبء على القضاء خاصة في الجرائم ذات الطابع التقني أو البسيط وذلك إقتناعا منه أن السياسة الجنائية لم تعد تعتمد على الأداة الجنائية كواجب رسمي وقانوني للجريمة المرتكبة، بل أصبحت ترى في الميكانيزمات المجتمعية الجواب المناسب والفعال لها، ولما كانت الوسائل البديلة تعد من أنجع الطرق لفض النزاعات التجارية والمدنية وقضايا الشغل، فلقد نادي العديد من الفقهاء بضرورة توسيع نطاق الوسائل البديلة إلى الميدان الجنائي، حيث سأتحدث في هذه الفقرة على مؤسسة الصلح الجنائي ومدى إمكانية تطبيقها في جرائم نزاعات الشغل الجماعية (أولا)، من ثم مركز آلية وقف سير الدعوى العمومية في هذا الصنف من الجرائم (ثانيا).
أولا: مركز الصلح الجنائي في جرائم نزاعات الشغل الجماعية
لا يخفى على أحد الأهمية القصوى للصلح خصوصا في المجال الجنائي، الذي أصبح يشهد تضخم في القضايا المعروضة على أنظار القضاء سواء المغربي أو المقارن مما يستوجب التطرق بداية إلى نطاق تطبيق الصلح الجنائي (1)، لننتقل بعد ذلك للحديث عن مسطرة الصلح (2).
1 الجرائم المشمولة بالصلح
من المعلوم أن الصلح ليس من متعلقات النظام العام، وبما أننا نتحدث عن الصلح الجنائي ، فمعلوم أن القانون الجنائي من النظام العام، نظرا للاضطراب الاجتماعي الذي تتسبب فيه الجرائم الماسة بحقوق الأفراد أو الأموال… إلخ، غير أن المشرع المغربي ارتاى السماح لأطراف محددة بإبرام صلح في بعض الجرائم، بالنظر لهيمنة الطابع الاجتماعي عليها، ولا تسامها بالبساطة وعدم مساسها بالنظام العام، حيث يقتصر ضررها غالبا على أطرافها الذين يعتبر رضاهم ضروريا لتحقيق المصالحة أو في الحالات التي لا يوجد فيها
مشتك، وقد حددت المادة 41 من ق.م. ج.م هذه الجرائم في الجرائم المعاقب عليها بسنتين حبسا أو أقل؛
الجرائم المعاقب عليها بغرامة لا يتجاوز حدها الأقصى 5000 درهم
وبالرجوع إلى مقتضيات المادة 41 من ق.م.ج نجد بأن المشرع المغربي تعرض لمختلف الجرائم التي يجوز بشأنها سلوك مسطرة الصلح كالية بديلة للدعوى العمومية وهكذا نصت الفقرة الأولى من هذه المادة على ما يلي: يمكن للمتضرر أو المشتكى به قبل إقامة الدعوى العمومية وكلما تعلق الأمر بجريمة يعاقب عليها بسنتين أو أقل أو بغرامة لا يتجاوز حدها الأقصى 5.000 درهم أن يطلب من وكيل الملك تضمين الصلح الحاصل
بينهما في محضر”.
لذلك فإن المعيار الذي ارتكن إليه المشرع المغربي من أجل تحديد الجرائم التي تكون موضوع الصلح الجنائي هو معيار عام يقوم على أساس عقوبة الفعل الجرمي، بمعنى آخر أن المشرع المغربي قصر الصلح على الجرائم التي تتسم بعدم خطورتها على النظام العام ويقتصر ضررها على أطرافها الذين يعتبر رضائهم ضروري لتحقيق الغاية المرجوة من اللجوء إلى هذه المسطرة
ولعل الإشكال الذي يطرح في هذا الصدد يتمثل في التحديد الذي تضمنته المادة 41 من ق.م.ج فيما يتعلق بالجرائم الخاضعة لمسطرة الصلح، إذ بالرجوع المضمون المادة المذكورة، يتبين أن الجرائم التي يمكن الاتفاق على إنجاز الصلح بصددها هي المعاقب عليها بغرامة لا يتجاوز حدها الأقصى 5.000 درهم، لكن إذا ما رجعنا للقانون الجنائي نجد هذا الأخير يحتوي على جنح معاقب عليها بالحبس فقط وأخرى معاقب عليها بالحبس والغرامة أو بإحدى العقوبتين. فهل منطوق هذه المادة المادة 41 من ق.م.ج – يستشف منها أن الجرائم المعاقب عليها بالحبس لأقل من سنتين والغرامة لا تدخل في نطاق موضوع الصلح الجنائي؟ بمعنى آخر إذا كانت العقوبة الحبسية لا تتجاوز سنتين لكن الغرامة تتجاوز 5.000 درهم لا
سيما أن المادة 41 من ق.م.ج تتحدث عن العقوبة الواحدة؛ الحبس أو الغرامة، ولم تشر إلى كلمة أو هما معا، علما أن أغلبية الجرائم مزدوجة العقوبة .
وبخصوص مدى إمكانية تفعيل مسطرة الصلح الجنائي في جرائم نزعات الشغل الجماعية، سيما جريمة الامتناع عن الحضور أمام اللجنة الإقليمية أو الوطنية للبحث والمصالحة أو المحكم أو الغرفة الاجتماعية بصفتها غرفة تحكيمية المنصوص عليها في المادة 583، أو جريمة الامتناع عن الإدلاء بالوثائق المفيدة لهذه الهيئات للبت في النزاع الجماعي التي ورد التنصيص عليها في المادة 584 من م. ش. فإن الأمر مستبعد من الناحية القانونية ذلك أن المادة 585 من م.ش تنص على أنه يعاقب بغرامة تتراوح بين 10.000 و 20.000 درهم عن مخالفة مقتضيات المادتين 583 و 584 أعلاه.
وانطلاقا من منطوق المادة أعلاه التي تنص على عقوبة الجريمتين المنصوص عليهما في المادتين 583 و 584 من م.ش 125 يتضح بجلاء أن الجرائم المشار إليها أعلاه لا يمكن اللجوء فيها إلى مسطرة الصلح الجنائي كالية موقفة للدعوى العمومية، نظرا لتجاوز الغرامة المالية المحكوم بها الحد الأقصى الذي تستلزمه المادة 41 من ق.م.ج وهو شرط لا غنى عنه لتطبيق مقتضيات هذه المادة 126
بيد أن هذا لا يعني بالبتة استحالة تطبيق مسطرة الصلح الجنائي في جرائم نزاعات الشغل الجماعية، إذ يمكن تفعيلها في الجريمة المنصوص عليها في الفصل 288 من ق.ج حيث نص على أنه: “يعاقب بالحبس من شهر واحد إلى سنتين وبغرامة من مائتين إلى خمسة آلاف درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط من حمل على التوقف الجماعي عن العمل أو على الاستمرار فيه، أو حاول ذلك مستعملا الإيذاء أو العنف أو التهديد أو وسائل التدليس متى كان الغرض منه هو الإجبار على رفع الأجور أو خفضها أو الإضرار بحرية الصناعة أو
العمل.
وإذا كان العنف أو الإيذاء أو التهديد أو التدليس قد ارتكب بناء على خطة متواطأ عليها، جاز الحكم على مرتكبي الجريمة بالمنع من الإقامة من سنتين إلى خمس سنوات”.
وبناء عليه، فإن العقوبة التي أفردها المشرع الجنائي للجريمة موضوع الفصل أعلاه تتماشى والشروط الواردة في المادة 41 من ق.م.ج؛ إذ أن العقوبة والحال هذه لا تتجاوز سنتين؛ أي أن الأمر يتعلق بجنحة ضبطية، ولا تتجاوز فيها الغرامة المالية 5000 درهم.
وتجدر الإشارة إلى أن مسودة مشروع قانون المسطرة الجنائية جاءت بمجموعة من المستجدات بخصوص مسطرة الصلح الجنائي, بحيث سعى المشرع إلى وضع مقاربة جديدة للصلح كبديل للدعوى العمومية وإضافة نوع من المرونة على مستوى الإجراءات, وكذا تجاوز الصعوبات التي كشفتها الممارسة العملية منذ إقرار هذه الآلية.
وتتجلى هذه المستجدات فيما يلي:
-توسيع وعاء الجرائم القابلة للصلح حيث تم رفع سقف الغرامة المالية للجنح الضبطية إلى 100000 درهم كما تم تخويل الأطراف حق اللجوء إلى الصلح في بعض الجنح التأديبية التي أبانت الممارسة عن محدودية خطورتها وإلى ارتباطها بحقوق الضحايا. ؛
-منح إمكانية اقتراح الصلح على الخصوم من قبل وكيل الملك ؛
-إناطة القيام بالصلح إلى محامي او وسيط ويكون هذا الأخير إما من اقتراح الأطراف أو يختاره وكيل الملك؛
-الاستغناء عن مصادقة رئيس المحكمة أو من ينوب عنه على محضر الصلح؛
وهو ما يستشف من المادة 43 من م.م. ق.م.ج، التي ورد فيها أنه: “لا يمكن سلوك مسطرة الصلح إلا إذا تعلق الأمر بجنحة يعاقب عليها بسنتين حبسا أو أقل وبغرامة لا يتجاوز حدها الأقصى مائة ألف درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط أو بجنحة من الجنح المنصوص عليها في الفصول 401 و 404 البند (1) و 425 و 426 و 441 فقرة 2 و 445 542 1-447 و 2-447 و 3-447 و 505 و 517 و 23 و 524 و 525 و 526 و 538 و 540 وو 547 و 549 و 553 و 571 من مجموعة القانون الجنائي والمادة 316 من مدونة التجارة، أو إذا نص القانون صراحة على ذلك بالنسبة لجرائم أخرى. إذا تراضي الطرفان على الصلح، ووافق عليه وكيل الملك، فإنه يحرر محضرا بذلك بحضورهما وحضور محاميهما عند الاقتضاء، ما لم يتنازلا أو يتنازل أحدهما عن ذلك،
ويوقع إلى جانبهما وكيل الملك. يتضمن محضر الصلح ما اتفق عليه الطرفان، وعند الاقتضاء أداء المشتكى به
غرامة لا تتجاوز نصف الحد الأقصى للغرامة المقررة قانونا للجريمة. إذا لم يحضر المتضرر أمام وكيل الملك، وتبين من وثائق الملف وجود تنازل مكتوب صادر عنه أو في حالة عدم وجود مشتك، يمكن لوكيل الملك أن يقترح على المشتكى به أو المشتبه فيه صلحا يتمثل في أداء غرامة لا تتجاوز نصف الحد الأقصى للغرامة المقررة للجريمة أو إصلاح الضرر الناتج عن أفعاله، وفي حالة موافقته، يحرر وكيل الملك محضرا يتضمن ما تم الاتفاق عليه، ويوقع وكيل الملك والمعني بالأمر على المحضر يتحقق وكيل الملك من تنفيذ اتفاق الصلح.
توقف مسطرة الصلح في الحالتين المشار إليهما في هذه المادة إقامة الدعوى العمومية. ويمكن لوكيل الملك إقامتها في حالة عدم تنفيذ الالتزامات التي تعهد بها المشتكى به أو إذا ظهرت عناصر جديدة تمس الدعوى العمومية، ما لم تكن هذه الأخيرة قد سقطت بأحد أسباب السقوط تتوقف مدة تقادم الدعوى العمومية بكل إجراء يرمي إلى إجراء الصلح أو إلى تنفيذه.”
وبناء عليه، فإن المشرع حسنا فعل بتوسيع الحد الاقصى للغرامة، حيث سيساهم هذا المقتضى في تخفيف العبء على القضاء من القضايا الزهيدة ذات الطابع البسيط ذلك أن الممارسة القضائية أبانت عن محدودية مسطرة الصلح التي تقتصر على الجرائم التي لا تتجاوز فيها العقوبة السالبة للحرية سنتين، وكذا الجرائم لا التي لا تتجاوز فيها العقوبة المالية 5000 درهم.
لذا، فإنه متى دخلت المسودة حيز التنفيذ، فحينئذ ستصبح جرائم نزاعات الشغل الجماعية مشمولة بنطاق مؤسسة الصلح الجنائي، حيث أن المشرع من خلال المسودة وسع من نطاق الغرامة؛ إذ انتقل من 5000 درهم في قانون المسطرة الجنائية الحالي إلى 100000 درهم في مشروع مسودة قانون المسطرة الجنائية.
2 مسطرة الصلح
للحديث عن مسطرة الصلح الجنائي، يجب التمييز بين نقطتين أساسيتين، فهناك ما يسمى بالصلح الاتفاقي, حيث بالرجوع إلى المادة 41 من قانون المسطرة الجنائية، والتي تنص على أنه في حالة موافقة وكيل الملك وتراضي الطرفين على الصلح، يحرر وكيل الملك محضرا بحضورهما وحضور دفاعهما، ما لم يتنازلا أو يتنازل أحدهما عن ذلك، ويتضمن هذا المحضر ما اتفق عليه الطرفان؛ أي أن بعد تراضي الأطراف على إبرام الصلح بينهما بخصوص جريمة من الجرائم المحددة، يتم تقديم طلب لوكيل الملك المختص قصد موافقة هذا الأخير على تضمين الصلح الحاصل بينهما بمحضر، وما يلاحظ من خلال صياغة النص أن موافقة وكيل الملك ضرورية لإبرام الصلح وإلا يتم تحريك الدعوى العمومية .
وفي حالة موافقة وكيل الملك، يعمل هذا الأخير على تحرير محضر بذلك، بحضور الأطراف ودفاعهما مالم يتنازل أحدهما أو يتنازلا على مؤازرة الدفاع.
ويتضمن المحضر ما اتفق عليه الطرفان، وإشعارهما بيوم جلسة غرفة المشورة، ثم تتم إحالة الملف على رئيس المحكمة ليقوم بالتصديق عليه بحضور الأطراف وممثل النيابة العامة والطرفان ودفاعهما، وهنا فرضيتين اثنتين
الفرضية الأولى: تصديق رئيس المحكمة على الصلح بأمر قضائي لا يقبل أي طعن
ويتضمن هذا الأخير، ما اتفق عليه الأطراف وعند الاقتضاء ما يلي:
-أداء غرامة لا تتجاوز نصف الحد الأقصى للغرامة المنصوص عليها قانونا؛
-تحديد أجل لتنفيذ الصلح
الفرضية الثانية: عدم موافقة رئيس المحكمة على محضر الصلح، وبالتالي يجد وكيل الملك نفسه مجبر بتحريك الدعوى العمومية.
فنجاح الصلح من عدمه ليس بيد الأطراف أو النيابة العامة، بل بيد رئيس المحكمة.
غير أن التساؤل المطروح في هذا الصدد هو هل يملك وكيل الملك سلطة الرفض؟
لقد جاء النص في المادة 41 من ق.م.ج بعبارة في حالة موافقة وكيل الملك”، وخلقت تساؤلا حول دوره في إطار هذا الصلح، وهل المقصود بموافقته يقتصر على رقابته على توفر الشروط القانونية لإنجاز الصلح وليس له ان يرفض إذا كان الطلب مستوفيا للشروط أم أنه يملك سلطة تقديرية في قبول أو رفض الطلب، وهل يعتبر رفضه قرار نهائيا لا يقبل الرقابة، وهل يمكن القول أن قراره بالرفض غير سليم ويعطل آلية الصلح خصوصا
إذا كان رفضه وجيها ومعقولا كحالة رفض الصلح مع مشتبه فيه ذي سوابق متعددة.
ويتساؤل البعض كذلك عن الأسس والمعايير المعتمدة من قبل النيابة العامة في الموافقة على مسطرة الصلح في نازلة معينة وعدم الموافقة عليها في نازلة أخرى؟
فالسلطة التقديرية التي يتمتع بها قاضي النيابة العامة تتيح له التحري والبحث عند مباشرته لإجراء الصلح، وهو بهذه الصفة لا ينصب نفسه مكان أطراف النزاع بل يقترح ولا يلزم كما أنه يوضح ولا يفسر ولا يمارس أي ضغط .
وبهذا، فإن النيابة العامة تملك من العناصر ما يكفي استنادا إلى ظروف كل نازلة على حدة، على الوقوف على خطورة الأفعال ومدى صدقية ومصداقية الصلح الوارد بشأنها.
فالمشرع المغربي أحسن صنعا بجعل مسطرة الصلح خاضعة للسلطة التقديرية للنيابة العامة في الموافقة على الصلح الحاصل بين الطرفين من عدمه، عملا بمبدأين قانونيين راسخين في قانون المسطرة الجنائية ألا وهما:
1 – الجهة الوحيدة التي تملك الدعوى العمومية هي النيابة العامة؛
2 – تفعيل مبدأ ملائمة المتابعة للصالح العام والذي أخذ به المشرع المغربي مند قانون المسطرة الجنائية القديمة 1959؛
وبهذا،جعل المشرع المغربي موافقة النيابة العامة على الصلح شرط ضروري وإلزامي لمباشرة المسطرة، وبذلك حافظ المشرع المغربي على دور النيابة العامة التقليدي كمالكة للدعوى العمومية في إطار سلطة الملائمة، فتراضي الطرفين لا يجبر النيابة على الانصياع لهما، وذلك لفسح المجال للنيابة العامة لمراقبة مدى انطباق شروط المادة 41 من قانون المسطرة الجنائية على الفعل المرتكب، فقد يتفق الأطراف على الصلح في أعمال غير
مشروعة.
فاستنادا للمادة أعلاه، يتعين أن يكون الفعل الجرمي يكتسي طابعا ضبطيا، أي معاقبا عليه بعقوبة حبسية لا تفوق سنتين أو بغرامة لا تتجاوز 5000 درهم، فالمقصود في هذا الإطار الجنح التي تخضع لمسطرة الصلح هي الجنح المحالة على وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية أما الجنح المحالة على الوكيل العام للملك بمحكمة الاستئناف في إطار قواعد الاتحاد والارتباط فهي غير معينة بمسطرة الصلح .
وتجدر الإشارة أن للنيابة العامة، وفي إطار السلطة التقديرية التي منحها لها القانون باعتبارها تمثل المجتمع، رفض الطلب متى تبين أن المصالحة تقتضي إحالة الدعوى على القضاء بدل فضها بالصلح كان يكون الفعل الجرمي يكتسي طابع الجنايات أو الجنح التأديبية أو عدم توفر الطلب على شروطها، فضرورة توافر رضا الأطراف والموافقة المبدئية المؤسسة النيابة العامة في شخص وكيل الملك أو نوابه على أطوار الصلح ومضمونه.
وتضمين الاتفاق الودي المتضمن للصلح وتفاصيله في محضر قانوني شرط موضوعي وشكلية نظامية لا بد منها لسلوك مسطرة الصلح، وذلك لتحقيق الغاية التي رسمها المشرع المغربي في تحقيق العدالة التصالحية التي تأخذ بعين الاعتبار رغبة الأطراف في إنهاء خصوماتهم الزجرية وتراعي بالمقابل بساطة الأفعال الجرمية المقترفة وتحد من جهة موازية من التراكم المجاني لعدد القضايا الزجرية المعروضة على أنظار القضاء.
وهناك ما يسمى بالصلح المقترح، حيث أنه في حالة إذا لم يحضر المتضرر أمام وكيل الملك، وتبين من وثائق الملف وجود تنازل مكتوب صادر عن ضحية الفعل أو في حالة عدم وجود مشتك ، فالمقنن أجاز لوكيل الملك في هذه الحالة أن يقترح على مرتكب الفعل الجرمي صلحا يتمثل في أداء نصف الحد الأقصى للغرامة المقررة للجريمة وإصلاح الضرر الناتج عن فعله وذلك عن طريق استدعاء تبلغه النيابة العامة للمشتكى به .
إذا وافق المشتكى به على أداء الغرامة المحددة في النصف يحرر وكيل الملك محضراً يتضمن ما تم الاتفاق عليه وإشعار المعني بالأمر أو دفاعه بتاريخ جلسة غرفة المشورة، ويوقع وكيل الملك والمعني بالأمر على المحضر.
ثم يحيل وكيل الملك المحضر على رئيس المحكمة الابتدائية أو من ينوب عنه للتصديق عليه بحضور ممثل النيابة العامة والمعني بالأمر أو دفاعه، بمقتضى أمر قضائي لا يقبل أي طعن.
الفقرة الثانية: طرق تحريك الدعوى العمومية في جرائم نزاعات الشغل الجماعية.
تتخذ مسطرة ممارسة الدعوى العمومية في جرائم نزعات الشغل الجماعية طابعا إجرائيا آخر تختلف تمظهراته حسب الطبيعة القانونية للجريمة ونوعيتها، إذ تقام إما بالأمر القضائي في الجنح (أولا)، أو بواسطة الإستدعاء للجلسة (ثانيا)، أو عن طريق الإحالة
الفورية (ثالثا).
أولا: الأمر القضائي في الجنح
إذا تعلق الأمر بجنحة لا يعاقب عليها القانون سوى بغرامة فقط وكان حدها الأقصى لا يتجاوز مبلغ 5000 درهم و كان ارتكابها مثبتا في محضر أو تقرير ولا يظهر فيها متضرر، يمكن لوكيل الملك أن يتقدم بملتمس إلى القاضي من أجل إصدار أمر قضائي في غيبة المتهم ودون استدعائه، ولا يمكن أن تتجاوز الغرامة التي يحكم بها القاضي في هذه الحالة نصف الحد الأقصى للغرامة المقررة قانونا للجنحة بالإضافة الى المصاريف والعقوبات الإضافية، وهو ما يستنتج من المادة 383 من ق.م.ج، حيث نصت على أنه: “يمكن للقاضي في الجنح التي يعاقب عليها القانون بغرامة فقط لا يتجاوز حدها الأقصى 5.000 درهم ويكون ارتكابها مثبتا في محضر أو تقرير ولا يظهر أن فيها متضررا، أن يصدر استنادا على ملتمس كتابي من النيابة العامة أمرا يتضمن المعاقبة بغرامة لا تتجاوز نصف الحد الأقصى المقرر قانونا وذلك بصرف النظر عن العقوبات الإضافية والمصاريف ورد ما يلزم رده
يكون هذا الأمر قابلاً للتعرض أمام نفس المحكمة داخل أجل عشرة أيام من تبليغه وفقاً المقتضيات المادة 308 أعلاه. ويكون الحكم الصادر بعد التعرض قابلا للاستئناف.
وانطلاقا من المادة أعلاه، يستشف أن المشرع اشترط لإعمال مسطرة الأمر القضائيفي الجنح ما يلي:
-أن يتعلق الأمر بجنحة معاقب عليها بغرامة مالية لا تتجاوز 5000 درهم:
-أن تكون ثابتة بمقتضى محضر أو تقرير؛
-عدم وجود متضرر؛
ولئن كانت جريمتا الامتناع عن الحضور والإدلاء بالوثائق والمستندات المفيدة في تسوية النزاع الجماعي لرئيس اللجنة الإقليمية أو الوطنية أو للمحكم أو للغرفة الاجتماعية تدخلان في خانة الجنح، ذلك أن المشرع عاقب عليهما بغرامة تراوح بين 10000 و 20000 درهم طبقا للمادة 585 من م.ش، وهو الحد الذي يتجاوز الغرامة المنصوص عليها في المخالفات، حيث أن الغرامة فيها تتراوح بين 30 و 1200 درهم، وهو ما يستفاد من الفصل 17 من مجموعة القانون الجنائي الذي ينص على ما يلي: العقوبات الجنحية الأصلية هي:
1 – الحبس
2 – الغرامة التي تتجاوز 1200 درهم .
وأقل مدة الحبس شهر وأقصاها خمس سنوات، باستثناء حالات العود أو غيرها التي يحدد فيها القانون مددا أخرى”، وكذا الفصل 18 من ذات القانون، حيث ورد فيه أن: “العقوبات
الضبطية الأصلية هي:
1 – الاعتقال لمدة تقل عن شهر ؛
2 – الغرامة من 30 درهم إلى 1200 درهم
وحتى وإن كان وصفهما القانوني جنحتان فهذا لا يعني إمكانية تطبيق هذه المسطرة على اعتبار أن الغرامة فيها تتجاوز ما هو منصوص عليه في المادة 382 من ق.م.ج
وإن كانت هذه الجرائم تثبت بمقتضى تقرير يحرره رئيس اللجنة الإقليمية أو الوطنية للبحث والمصالحة أو المحكم، وعدم وجود متضرر فيها، إلا أن ذلك لا يسعف في تفعيل هذه المسطرة في هذا الصنف من الجرائم، نظرا لأنها تفتقر لأهم شرط من شروط هاته المسطرة ألا وهو عدم تجاوز الغرامة في الجريمة التي تتخذ وصف جنحة 5000 درهم.
وحتى الجريمة المنصوص عليها في الفصل 288 من م. ق. ج لا يمكن الإعمال بشأنها هذه المسطرة، على اعتبار ان الفصل المشار إليه عاقب عليها بالحبس والغرامة، وإن كانت الغرامة فيها لا تتجاوز 5000 درهم، إلا أن المشرع اشترط أن تكون الجنحة موضوع هذه المسطرة معاقب عليها بالغرامة فقط دون العقوبة الحبسية، وهو ما يغيب والحال هذه، إذ أن المشرع الجنائي عاقب على جريمة حمل الغير على التوقف عن العمل أو الاستمرار فيه بالعقوبة الحبسية والمالية معا وليس الغرامة فقط وحتى وإن كانت الجنحة أعلاه معاقب عليها بالغرامة، فإن ذلك لن يفيد على اعتبار أنه يوجد متضرر والحال هذه ألا وهو المشغل أو المقاولة، في حين أن المشرع الجنائي اشترط عدم وجود متضرر في الجنحة موضوع المسطرة أعلاه.
ثانيا: الاستدعاء للجلسة
إذا كانت شروط مسطرة الأمر القضائي في الجنح كالية لتحريك الدعوى العمومية في الجنح لا تتناسب وخصوصية جريمتي الامتناع عن الحضور أمام الجهات الإدارية المنوط بها تسوية نزاعات الشغل الجماعية والإدلاء بالوثائق المفيدة لها في ذلك، فإن الاستدعاء للجلسة يبقى الطريقة الأبرز لتحريك الدعوى العمومية في المخالفات والجنح العادية وكذا التلبيسة المعاقب عليها بالغرامة المالية 143 ؛ إذ يوجه وكيل الملك الاستدعاء للمتهم للحضور للجلسة وفقا لمقتضيات المادة 308 من قانون المسطرة الجنائية وما يليها، ويستدعي في نفس الوقت الطرف المدني والمسؤول عن الحقوق المدنية إن وجد.
ويجب أن يتضمن الاستدعاء تحت طائلة البطلان تحت طائلة البطلان بيان اليوم والساعة ومحل انعقاد الجلسة ونوع الجريمة وتاريخ ومحل ارتكابها والمواد القانونية المطبقة بشأنها، وهو ما تنص عليه المادة 308 من ق.م.ج، حيث أكدت على أنه: “يسلم الاستدعاء بالحضور للمتهم وللمسؤول المدني والطرف المدني طبق الشروط المنصوص عليها في الفصول 37 و 38 و 39 من قانون المسطرة المدنية.
يتضمن الاستدعاء، تحت طائلة البطلان بيان اليوم والساعة ومحل انعقاد الجلسة ونوع الجريمة وتاريخ ومحل ارتكابها والمواد القانونية المطبقة بشأنها. “
وإذا لم يفصل بين تاريخ الاستدعاء ويوم الحضور للجلسة الأجل المنصوص عليه قانونا، يتعرض الاستدعاء والحكم الذي قد يصدر للإبطال.
وقد ميز المشرع في تحديد الأجل الفاصل بين تاريخ الاستدعاء واليوم المحدد للحضور للجلسة بين حالتين؛ تتعلق الأولى بالحالة التي يكون فيها المتهم يقيم داخل تراب المملكة، حيث يتعين في الحالة هذه أن يفصل أجل ثمانية أيام، وتتعلق الثانية بالحالة التي يكون فيها المتهم وباقي الأطراف يقيمون خارج المملكة، حيث ميز والحال هذه بين نقطتين؛ النقطة الأولى تتعلق بحالة ما إذا كان المراد تبليغه يقطن في باقي دول المغرب العربي أو بدولة أروبية حيث يجب أن يكون الأجل الفاصل في هذه الحالة شهرين، أما النقطة الثانية فتتعلق بباقي الدول غير الدول المشار إليها أعلاه حيث استلزم المشرع أن يفصل في هذه الحالة بين تاريخ الاستدعاء واليوم المحدد للحضور ثلاثة أشهر .
ويتعين على المتهم أن يثير الدفع ببطلان الاستدعاء لخرق الأحكام السالفة الذكر قبل كل دفع أو دفاع في الجوهر تحت طائلة اعتباره متنازلا عن إثارته، وبالتالي رد دفعه من طرف الهيئة القضائية.
.
إذا كان المتهم أو أحد الأطراف الآخرين يقيمون خارج المملكة، فلا يمكن أن يقل الأجل المذكور عن: شهرين ان كانوا يسكنون بباقي دول المغرب العربي أو بدولة من دول أوربا ثلاثة أشهر إن كانوا يسكنون بدولة غير الدول المنصوص عليها في الفقرة السابقة .
غير أنه إذا حضر المتهم في الجلسة بنفسه أو بواسطة محاميه ، فله إثارة بطلان الاستدعاء، ويمكنه أن يطلب من المحكمة إصلاح ما يكون قد شاب الاستدعاء من أخطاء أو استيفاء أي نقص فيه. وفي هذه الحالة يتعين على المحكمة منحه أجلاً لتهيئ دفاعه قبل البدء في مناقشة القضية.
وينبغي أن نشير في هذا المقام إلى أن الاستدعاء للجلسة يمكن تصوره في حالتين:
الحالة الأولى في الجنح والمخالفات العادية، وهي تلك التي يجري بشأنها بحثا عاديا دون توجيه تعليمات من طرف النيابة العامة بالتقديم أو بالوضع تحت تدابير الحراسة النظرية.
الحالة الثانية هي الحالة التي ترتكب فيها جنح تستحق التقديم أو الوضع تدابير الحراسة النظرية، إما لخطورتها أو لأسباب تستدعيها طبيعة البحث وهي ما يطلق عليها الفقه حالات التلبس وتقرر النيابة العامة متابعة المتهم في حالة سراح ، حيث يتم استدعائه للجلسة بعد استنطاقه و اتخاذ قرار بإطلاق سراحه
ويجب التأكيد على أنه لابد أن يتم ارفاق الاستدعاء بشهادة التسليم باعتبارها وسيلة قانونية وإجرائية تفيد توصل المتهم بالاستدعاء، ويتم ارجاعها للمحكمة لضمها إلى وثائق الملف وتجهير القضية للبت فيها.
ومن المعلوم أنه يترتب على المقتضيات أعلاه عدة آثار نذكر منها:
إذا توصل المتهم وحضر يصدر الحكم في حقه حضوريا، ويثبت له حق الطعن في الحكم بالاستئناف داخل 10 أيام، وانصرام هذا الأجل يصبح الحكم الجنحي نهائيا حائز لقوة الشيء المقضي به؛
إذا توصل ولم يحضر أصدرت المحكمة الحكم في حقه بمثابة حضوري، نفس الشيء بالنسبة لهذا الحكم يثبت له حق الطعن في الحكم بالاستئناف داخل 10 أيام، وانصرام هذا الأجل يصبح الحكم الجنحي نهائيا حائز لقوة الشيء المقضي به؛
إذا لم يتوصل ولم يحضر تصدر المحكمة الحكم في حقه غيابيا ، ويثبت له حق الطعن بالتعرض داخل أجل 10 أيام من تاريخ التوصل وإلا فإن بانصرام الأجل يصبح الحكم نهائيا ؛
وتعتبر شهادة التسليم الوسيلة الوحيدة التي يتم اعتمادها في معرفة توصل المتهم من عدمه، وفي احتساب الآجال القانونية للطعن بالتعرض والاستئناف.
ثالثا: الإحالة الفورية
الإحالة الفورية هي إجراء من خلاله يتم تقديم المتهم إلى الجلسة فورا دون سابق استدعاء بعد استنطاقه من طرف وكيل الملك أو نائبه إذا تعلق الأمر بالتلبس بجنحة معاقب
عليها بالحبس ، أو إذا لم تتوفر في مرتكبها ضمانات كافية للحضور، فإنه يمكن لوكيل الملك أو نائبه أن يصدر أمرا بإيداع المتهم بالسجن بعد إشعاره بأن من حقه تنصيب محام عنه حالا واستنطاقه عن هويته والأفعال المنسوبة إليه، كما يمكن أن يقدمه للمحكمة في حالة سراح بعد تقديم كفالة مالية أو كفالة شخصية.
يحق للمحامي أن يحضر هذا الاستنطاق، كما يحق له أن يلتمس إجراء فحص طبي على موكله، وأن يدلي نيابة عنه بوثائق أو إثباتات كتابية. كما يمكنه أن يعرض تقديم كفالة مالية أو شخصية مقابل إطلاق سراحه.
ويراعى في تقدير الكفالة المالية مقتضيات المادة 184 من ق.م.م.ج، ويحدد مقرر النيابة العامة بكل دقة القدر المخصص كضمان لحضور المتهم. عند الاقتضاء
تضمن النيابة العامة مقرر تحديد الكفالة في سجل خاص وتوضع بالملف نسخة من
المقرر ومن وصل إيداع المبلغ.
وتطبق على إيداع الكفالة واستردادها ومصادرتها مقتضيات المواد 185 وما يليها إلى 188 من ذات القانون 148
وإذا صدر الأمر بالإيداع في السجن 149 ، فإن القضية تحال إلى أول جلسة مناسبة تعقدها المحكمة الابتدائية، حسب الشروط المنصوص عليها في المادة 385 من ق.م.ج.
وفي حالة عدم إصدار أمر بالإيداع في السجن، فإن وكيل الملك يحيل القضية إلى المحكمة إما طبقاً للفقرة السابقة أو طبقا للشروط المحددة في الكتاب الثاني من هذا القانون المتعلق بالحكم في الجرائم
ومن خلال ما سبق يتضح أن المشرع المغربي اشترط لسلوك مسطرة الإحالة
الفورية ما يلي:
– أن تتعلق وقائع القضية بجنحة متلبس بها ومعاقب عليها بالحبس ؛
-انعدام ضمانات الحضور؛
بيد أن ما يجب التأكيد عليه في هذا الصدد هو أن المشرع لم يستلزم توفر الشرطين معا؛ أي لا يستوجب تلازم الشرطين في نفس القضية، بل توفر أحدهم يغني عن الآخر وما يؤيد ذلك هو أن الفقرة الأولى من المادة 74 من ق.م.ج التي نصت على أنه: “إذا تعلق الأمر بالتلبس بجنحة معاقب عليها بالحبس، أو إذا لم تتوفر في مرتكبها ضمانات كافية للحضور فإنه يمكن لوكيل الملك أو نائبه أن يصدر أمرا بإيداع المتهم بالسجن بعد إشعاره بأن من حقه تنصيب محام عنه حالا واستنطاقه عن هويته والأفعال المنسوبة إليه، كما يمكن أن يقدمه للمحكمة حرا بعد تقديم كفالة مالية أو كفالة شخصية. “؛ استعمل (أو) التي تفيد التخيير وليس العطف، ولو أن المشرع استعمل حرف الواو لكان حينها توفر الشرطين معا أمر لا محيد
عنه لسلوك هذه المسطرة.
وإذا كان المشرع اشترط لتفعيل هذه الآلية لتحريك الدعوى العمومية أن يتعلق الأمر بالتلبس بجنحة معاقب عليها بالحبس طبقا للمادة 74 من ق.م.ج، فإنه استثناء من ذلك أجاز المشرع لوكيل الملك تطبيق هذه المسطرة ولو تعلق الأمر بجنحة غير متلبس بها في حق المشتبه فيه الذي اعترف بالأفعال المكونة لجريمة يعاقب عليها بالحبس أو ظهرت معالم أو أدلة قوية على ارتكابه لها، والذي لا تتوفر فيه ضمانات الحضور أو ظهر أنه خطير على النظام العام أو على سلامة الأشخاص أو الأموال، وفي هذه الحالة يعلل وكيل الملك قراره.
وبناء على ذلك، يتبين أن هذه المسطرة لا يمكن تطبيقها بالبتة على الجريمتين المنصوص عليهما في المادتين 583 و 584 من م.ش نظرا لأن المشرع عاقب عليهما بالعقوبة المالية فقط، في حين أن المسطرة هذه تستوجب أن يتعلق الأمر بجنحة معاقب عليه بالحبس وأن تحقق إحدى حالات التلبس، بيد أنه يمكن إعمالها في مقتضيات الفصل 288 من مجموعة القانون الجنائي، على اعتبار أن الفصل أعلاه يتعلق بجنحة معاقب عليها بالحبس إلا أنه وجب التمييز في هذا الصدد بين حالتين؛ حالة ما إذا توفرت إحدى حالات التلبس طبقا للمادة 56 من ق.م.ج، حيث يعمل وكيل الملك أو من ينوب عنه مقتضيات الفقرة الأولى من المادة 74 من ق.م.ج، وحالة ما إذا لم تتوفر إحدى حالات التلبس، حيث يعمل والحالة هذه الفقرة الرابعة من المادة 47 من ق.م.ج إذا ما توافرت شروطها.
خاتمة
ان حدود تدخل القضاء الزجري في جرائم نزاعات الشغل الجماعية لا يثير إشكالات عويصة ، على غرار تدخل نظيره المدني؛ إذ أن تدخل القضاء الجنائي فيها يجد مرجعيته القانونية في القواعد العامة المؤطرة لإختصاص المحاكم الزجرية، وهو ما جعلنا نسقط القواعد العامة عليها إلا ما كان مخالفا لطبيعة وخصوصية قواعد التجريم والعقاب في هذا الصنف من الجرائم النوعية التي نادرا ما تثار أمام القضاء الزجري؛ إذ النصوص الناظمة لها ظلت جامدة دون تفعيل أو تنزيل؛ إذ لم نصادف رغم بحثنا المضني أي حكم قضائي يفعل نصوص التجريم والعقاب في مجال نزاعات الشغل الجماعية.
زر الذهاب إلى الأعلى