
باربس: محمد الحافظي.
تعيش فرنسا على وقع موجة جديدة من الإحتقان الإجتماعي، بعدما خرج عشرات الآلاف من موظفي القطاع العام إلى الشوارع، الثلاثاء 29 شتنبر 2026، في واحدة من أبرز التعبئات النقابية الأخيرة، احتجاجاً على سياسة الأجور وتراجع القدرة الشرائية، ومطالبةً بتوفير موارد بشرية ومالية أكبر للمرافق العمومية.
وبحسب ما أوردته صحيفة «لوموند»، نظمت النقابات نحو 170 تجمعاً ومسيرة في مختلف أنحاء البلاد، فيما أعلنت وزارة الداخلية مشاركة نحو 206 آلاف متظاهر، بينهم 30 ألفاً في باريس. أما نقابة CGT فقد قدرت عدد المشاركين بأكثر من 300 ألف شخص على الصعيد الوطني ونحو 70 ألفاً في العاصمة.
وشارك في التحرك موظفون من قطاعات متعددة، من بينها التعليم والإدارة والجماعات الترابية والمستشفيات، فيما سجل رجال الإطفاء حضوراً لافتاً في شوارع باريس، حيث تحدثت السلطات عن مشاركة نحو ثمانية آلاف إطفائي في مظاهرات العاصمة.

وتجمع ثماني منظمات نقابية كبرى في هذه المعركة الاجتماعية، من بينها CGT وFO وCFDT وUNSA وFSU وSolidaires، في مواجهة قرار الحكومة إعادة تجميد قيمة النقطة الاستدلالية المستخدمة في احتساب أجور موظفي القطاع العام ضمن مشروع ميزانية 2027.
وتكشف الشعارات التي رفعت خلال المسيرات عن اتساع الشعور بالضغط على القدرة الشرائية، إذ يطالب المحتجون بزيادة الأجور وتحسين ظروف العمل وتوفير إمكانات أكبر للمستشفيات والمدارس والإدارات وأجهزة الإنقاذ.
وأظهرت الأرقام الرسمية تفاوتاً في حجم الإضراب بين القطاعات، إذ بلغت نسبة المضربين في الوظيفة العمومية للدولة 9.96 في المائة، وارتفعت إلى 13.63 في المائة في وزارة الإقتصاد والمالية و12.56 في المائة في وزارة التربية، مقابل 7.25 في المائة في الوظيفة العمومية الترابية و4.10 في المائة في القطاع الإستشفائي العمومي.

ولم تخلُ هذه التعبئة من توترات وحوادث على هامش التحركات، إذ أفادت صحيفة «لو باريزيان»، نقلاً عن السلطات، بتسجيل 440 عملية توقيف، ارتبط جانب منها بتحركات طلابية وأعمال تخريب واعتداءات على قوات الأمن، بحسب الرواية الرسمية.
وبعد ثلاثة أيام من الإحتجاجات، حاولت الحكومة الفرنسية تقديم إجراءات تستهدف خصوصاً الموظفين الأقل أجراً. وأعلن وزير العمل والحسابات العامة، دافيد أمييل، الجمعة 2 أكتوبر، مقترحاً لرفع الحد الأدنى للأجور إبتداءً من يناير 2027، بما يسمح لنحو 400 ألف موظف بأن يصبح راتبهم الأساسي أعلى من الحد الأدنى القانوني للأجور.
غير أن هذه الإجراءات لم تنجح حتى الآن في تهدئة النقابات. فقد غادرت CGT وFSU وSolidaires الاجتماع المخصص للأجور، بينما قاطعت Force ouvrière اللقاء، معتبرة أن المقترحات الحكومية لا تستجيب لحجم المطالب المطروحة. وتقول الحكومة، من جهتها، إن رفع قيمة النقطة الاستدلالية بنسبة 1 في المائة سيكلف المالية العامة نحو 2.4 مليار يورو.
وهكذا تجد الحكومة الفرنسية نفسها أمام معادلة اجتماعية ومالية دقيقة: محاولة ضبط الإنفاق العام من جهة، والاستجابة لمطالب ملايين الموظفين العموميين الذين يعتبر ممثلوهم النقابيون أن أجورهم لم تعد تواكب ارتفاع تكاليف المعيشة من جهة أخرى.
ومع استعداد النقابات للتشاور بشأن الخطوات المقبلة، تبدو احتجاجات 29 شتنبر أبعد من مجرد يوم إضراب عابر؛ فهي تعكس مواجهة متجددة حول الأجور والقدرة الشرائية ومستقبل الخدمات العمومية، وقد تحدد الأسابيع المقبلة ما إذا كانت الإجراءات الحكومية ستفتح باب التهدئة أم ستدفع الحركة النقابية نحو جولة جديدة من التعبئة في الشارع الفرنسي.



