الحوادثالرئيسيةالسياسية

بعد نفي العثماني لرواية الريسوني.. حين تتهاوى الرواية أمام التكذيب المباشر

جريدة احداث الساعة 24 : عادل الساحلي

الصفة الصحافية لا تأتي من عدد المشتركين، ولا من طول الحلقة، ولا من ادعاء خوض النزال مع الاستبداد. الصفة تأتي، أولا وأخيرا، من المنهج. والمنهج الذي ظهر في هذه النازلة، على الأقل، أقرب إلى منهج راو منه إلى منهج محقق. المحقق يسأل قبل أن يجزم، ويتحقق قبل أن ينشر، ويواجه الروايات المتعارضة قبل أن يقدم إحداها إلى الجمهور باعتبارها حقيقة. أما أن تروى واقعة خطيرة بثقة مطلقة ثم يخرج الشخص المنسوب إليه جزء أساسي منها ليصفها بأنها «محض افتراء»، فهنا يصبح صاحب الرواية مطالبا بالدليل، لا بمزيد من الكلام.

يوتيوب مساحة حرة، لكن الحرية لا تتحول تلقائيا إلى صحافة. آلاف القنوات تتحدث في السياسة وتعلق على الأحداث وتقدم الروايات، غير أن العمل الصحافي يبدأ تحديدا حيث تبدأ مسؤولية التحقق. وحين يأتي تكذيب مباشر من الشخص الذي أقحم اسمه في الواقعة، فإن الخيارات المهنية تصبح محدودة وواضحة: تقديم ما يثبت الرواية، أو تصحيحها والتراجع عنها إذا تعذر إثباتها. أما الاحتماء بـ«السياق» فلا يحل المشكلة، لأن السياق لا يخلق مكالمة لم تثبت، ولا يحول رواية منفية إلى واقعة مؤكدة.

العثماني أوضح أنه تدخل لأنه ذكر بالاسم. وهذه نقطة جوهرية، لأنها ترسم حدود القضية. لسنا أمام سجال أيديولوجي بين إعلامي وتيار سياسي، ولا أمام خلاف في تقييم مرحلة أو موقف أو تجربة حكومية. نحن أمام واقعة محددة نسبت إلى شخص محدد، ثم خرج ذلك الشخص لينفيها بصورة صريحة.

لذلك، فإن محاولة تحويل هذا التكذيب إلى معركة حول «الصوت الحر» لا تجيب عن السؤال الأصلي. حرية التعبير لا تعفي صاحب المعلومة من عبء إثباتها، تماما كما أن نقد السلطة أو مواجهة الاستبداد، مهما كانت أهميتهما، لا يمنحان حصانة مهنية لأي رواية من التحقق والمساءلة.

في هذه النازلة تحديدا، الحدود واضحة وفق المعطيات المعلنة: رواية نسبت إلى العثماني واقعة بعينها، والعثماني نفاها ووصفها بالافتراء. وما لم يظهر دليل مستقل يثبت العكس، فلا يجوز مهنيا التعامل مع الرواية المنفية باعتبارها حقيقة مستقرة.

وهنا يظهر الفارق بين صناعة المحتوى والتحقيق الصحافي. صانع المحتوى يستطيع الانتقال غدا إلى عنوان جديد وحلقة جديدة وموضوع جديد. أما الصحافي، فعندما يواجه تكذيبا مباشرا يمس جوهر روايته، يعود إلى الملف: يراجع مصادره، يبحث عن الدليل، يمنح حق الرد، ثم يصحح أو يثبت.

أما تجاهل التكذيب والمضي إلى موضوع آخر، إن حصل، فلن يكون جوابا عن الإشكال. لأن الخبر الصحيح لا يخشى المراجعة، والرواية الموثقة يمكن الدفاع عنها بوثائقها ومصادرها وقرائنها. أما الرواية التي لا تجد، بعد التكذيب الصريح، ما يسندها سوى تكرارها، فإنها تظل رواية محل نزاع، مهما ارتفع صوت قائلها.

وفي النهاية، المسألة أبسط من كل الضجيج المحيط بها: من يقدم ادعاء واقعيا محددا يتحمل مسؤولية إثباته. ومن ينسب إلى الآخرين أقوالا أو وقائع ثم يواجه نفيا مباشرا، لا تكفيه الصفة ولا الشهرة ولا عدد المشاهدات للفرار من السؤال الوحيد الذي يهم الصحافة: أين الدليل؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى