
أحداث الساعة 24// محمد الحافظي.
دخلت أزمة سبتة منعطفاً سياسياً ودبلوماسياً جديداً، بعدما تجاوزت تداعيات موجة الهجرة الجماعية التي شهدتها المدينة نهاية يوليوز حدود الملف الأمني، لتتحول إلى قضية تهز الحكومة الإسبانية وتعيد العلاقات بين الرباط ومدريد إلى واجهة النقاش السياسي والإعلامي.
وتكشف الصحافة الإسبانية، اليوم الأربعاء، عن صراع روايات داخل حكومة بيدرو سانشيز بشأن ما إذا كانت أجهزة الاستخبارات قد حذرت مسبقاً من الأحداث. صحيفة EL PAÍS أبرزت الخلاف بين وزيرة الدفاع مارغريتا روبليس ووزير الداخلية فرناندو غراندي مارلاسكا؛ فالأولى تؤكد أن عناصر الاستخبارات نبهت يوم 29 يوليوز الماضي إلى دعوات عبر شبكات التواصل زلإجرماعي للعبور سباحة نحو سبتة، بينما يصر مارلاسكا على عدم وجود تقرير إستخباراتي توقع دخول عشرات الآلاف في اليوم التالي.
روبليس لم تكتف بالدفاع عن جهاز الاستخبارات، بل قدمت اعتذاراً لسكان سبتة وأقرت بأن الحكومة الإسبانية وصلت متأخرة في التعامل مع الأزمة. وفي المقابل، دخل قصر مونكلوا على خط الجدل لينفي أن تكون الحكومة قد تلقت إنذاراً يتوقع تدفقاً بالحجم الذي وقع، فيما ساند الوزير أنخيل فيكتور توريس رواية مارلاسكا مؤكداً أنه لم تكن هناك معلومة تتحدث عن وصول عشرات الآلاف.
وتحول الخلاف الحكومي إلى مادة دسمة للمعارضة. فقد طالب الحزبان الشعبي و«فوكس» روبليس بتوضيح من يقول الحقيقة بينها وبين مارلاسكا، كما طالبا بالكشف عن الدور الذي لعبه المغرب في أحداث سبتة، وهي النقطة التي أصبحت محوراً رئيسياً في النقاش السياسي الإسباني.
ولم يقتصر الانتقاد على المعارضة؛ إذ هاجم النائب ألبرتو إيبانييث، من سومار/كومبروميس، طريقة بيدرو سانشيز في التعامل مع الرباط، معتبراً أنه وصل متأخراً إلى أزمة سبتة، وذهب إلى حد القول إن الحزب الاشتراكي يعاني من «متلازمة ستوكهولم مع المغرب»، مطالباً مديرة جهاز الاإستخبارات بالمثول أمام البرلمان لتوضيح حقيقة التحذيرات السابقة للأزمة.
وفي تطور دبلوماسي بالغ الدلالة، كشفت وزارة الخارجية الإسبانية اليوم أن الوزير خوسيه مانويل ألباريس يتحدث بشكل يومي مع نظيره المغربي ناصر بوريطة، مؤكدة تمسك مدريد بالدبلوماسية باعتبارها الوسيلة الأكثر فعالية لمعالجة الخلافات الراهنة.
غير أن أزمة الهجرة تزامنت مع عودة ملف أكثر حساسية، بعدما أكد وزير العدل المغربي عبد اللطيف وهبي أن سبتة ومليلية تشكلان «حقاً تاريخياً وجغرافياً» للمغرب، داعياً إلى إيجاد آلية للحوار مع إسبانيا حول مستقبلهما و«عودتهما إلى حضن الوطن».
مدريد سارعت إلى الرد عبر القنوات الدبلوماسية، مؤكدة رفضها القاطع للمطالب المغربية، ومشددة على أن «سبتة ومليلية مدينتان إسبانيتان» وتشكلان جزءاً من الأراضي الإسبانية والاتحاد الأوروبي.
وتظهر القراءة الحالية للصحافة الإسبانية وجود تساؤل متزايد حول مسؤولية المغرب أو مدى قدرته على ضبط الحدود. فقد تناولت RTVE الملف من زاوية ما إذا كان ما وقع نتيجة قرار مقصود أم عجز عن السيطرة، بينما انتقدت أصوات إعلامية اليوم ما تعتبره تجنب الحكومة الإسبانية تحميل الرباط مسؤولية مباشرة. وفي المقابل، قالت روبليس إنها لا تتهم المغرب بتنظيم التدفق، ووصفت ما وقع بأنه تحرك ذاتي للأفراد.
وتزداد الضغوط على سانشيز في وقت لا تزال فيه سبتة تعيش توتراً واحتجاجات، فيما تقرر أن يمثل رئيس الحكومة أمام مجلس النواب يوم 3 شتنبر لتقديم توضيحات بشأن الأزمة وتدبيرها.
وهكذا تبدو «قنبلة سبتة» أبعد من مجرد أزمة هجرة؛ فقد فجرت خلافاً داخل الحكومة الإسبانية، وأعادت مسألة السيادة على سبتة ومليلية إلى النقاش، ودفعت المعارضة إلى المطالبة بإعادة النظر في طبيعة العلاقة مع الرباط. ورغم ذلك، توحي الاتصالات اليومية بين ألباريس وبوريطة بأن الطرفين يحاولان حتى الآن منع الأزمة من التحول إلى مواجهة دبلوماسية مفتوحة قد تهدد الشراكة الاستراتيجية التي بنتها الرباط ومدريد خلال السنوات الأخيرة.




