
أحداث الساعة 24// محمد الحافظي.
مع كل موعد إنتخابي بالمغرب، تعود قضية مغاربة العالم إلى واجهة النقاش الوطني و يتجدد السؤال ، ما موقع ملايين المغاربة المقيمين خارج الوطن في العملية الديمقراطية؟ وما حجم الدور الذي يمكن أن تضطلع به هذه الجالية في الانتخابات التشريعية والجماعية؟ وهل آن الأوان للانتقال من الإعتراف بمغاربة العالم كمكوّن أساسي من مكونات الأمة المغربية إلى تمكينهم من مشاركة سياسية وانتخابية فعلية ومباشرة؟
إن مغاربة العالم ليسوا مجرد جالية تعيش خارج الحدود، وإنما امتداد طبيعي للمجتمع المغربي، يحملون الجنسية المغربية، ويرتبطون بالوطن اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً ووجدانياً. وقد أكد دستور المملكة لسنة 2011، في فصله السابع عشر، تمتع المغاربة المقيمين بالخارج بكامل حقوق المواطنة، بما فيها حق التصويت والترشح، مع مراعاة الشروط والكيفيات التي يحددها القانون.
لكن الإشكال لم يعد اليوم في الاعتراف بالمبدأ، وإنما في كيفية ممارسته على أرض الواقع.
فالمغربي المقيم في فرنسا أو بلجيكا أو إسبانيا أو إيطاليا أو كندا أو غيرها من بلدان العالم، لا يجد أمامه، في الانتخابات المغربية، منظومة تصويت مباشر داخل بلد الإقامة كتلك التي يعرفها عدد من الدول التي تعتمد دوائر انتخابية لمواطنيها في الخارج.
وفي الإنتخابات التشريعية المغربية المقرر إجراؤها يوم 23 شتنبر 2026، لا يوجد تصويت مباشر لمغاربة العالم داخل بلدان إقامتهم، وإنما تتيح القوانين التصويت عن طريق الوكالة بالنسبة للمسجلين في اللوائح الانتخابية العامة بالمغرب. والجديد هذه السنة هو إطلاق منصة إلكترونية لتسهيل إعداد الوكالة، ابتداء من 24 غشت 2026، وهو تطور مهم في تبسيط الإجراءات، لكنه لا يمثل تصويتاً إلكترونياً مباشراً.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل التصويت بالوكالة هو الحل النهائي لمشاركة مغاربة العالم، أم أنه مجرد آلية انتقالية إلى حين الوصول إلى صيغة أكثر مباشرة وتمثيلية؟
مغاربة العالم قوة وطنية لا يمكن اختزالها في التحويلات المالية
لقد أثبتت الجالية المغربية عبر عقود أنها شريك أساسي في التنمية الوطنية. فهي تساهم في الاقتصاد من خلال تحويلات الأموال والإستثمارات، وتدعم الأسر، وتشارك في مشاريع اقتصادية وعقارية، وتنقل الخبرات والكفاءات، وتربط المغرب بمختلف فضاءات العالم.
كما أن الجالية تؤدي دوراً مهماً في التعريف بالمغرب والدفاع عن مصالحه وصورته، وفي الحفاظ على الهوية والثقافة واللغة لدى الأجيال الجديدة في بلدان الإقامة.
وخلال موسم 2026 وحده، تجاوز عدد مغاربة العالم الذين دخلوا المغرب 2.74 مليون شخص إلى غاية 3 غشت، وفق المعطيات الرسمية الخاصة بعملية «مرحبا 2026»، وهو رقم يعكس حجم الارتباط المستمر بين الجالية والوطن.
لكن المواطنة لا يمكن أن تقاس فقط بعدد الزيارات إلى المغرب أو بحجم التحويلات والإستثمارات. المواطنة أيضاً مشاركة في القرار، وصوت في المؤسسات، وقدرة على التأثير في السياسات العمومية التي تمس مستقبل البلاد.
ويمنح القانون المغربي للمواطنين المغاربة المقيمين بالخارج والمسجلين في اللوائح الانتخابية إمكانية المشاركة عن طريق الوكالة. كما أن القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب يسمح، من حيث المبدأ، للمغاربة المقيمين بالخارج بالترشح وفق الشروط القانونية، مع بعض القيود المرتبطة بممارسة مهام حكومية أو انتخابية أو عمومية في بلد الإقامة.
وهذا يعني أن الحديث عن غياب كامل للحقوق السياسية للجالية ليس دقيقاً من الناحية القانونية.
لكن المشكلة تكمن في التمثيلية السياسية المباشرة.
فالجالية لا تتوفر، في النظام الإنتخابي الحالي، على دوائر تشريعية خاصة بها خارج المغرب تتيح لها انتخاب نواب يمثلونها مباشرة باعتبارهم مغاربة العالم.
وهنا يطرح أبناء الجالية سؤالاً مشروعاً: إذا كان عدد كبير من المواطنين يعيشون خارج الوطن، ولهم قضايا خاصة ومشاكل مرتبطة بالإدارة والقنصليات والإستثمار والعقار والتقاعد والتعليم والهوية والإندماج في بلدان الإقامة، فمن سيمثل هذه القضايا بشكل مباشر داخل المؤسسة التشريعية؟
إن النائب الذي يصل إلى البرلمان عن دائرة داخل المغرب يمثل ناخبيه المحليين، بينما قضايا مغاربة العالم تمتد جغرافياً من أوروبا إلى أمريكا الشمالية وإفريقيا والشرق الأوسط، ولها خصوصيات لا يمكن دائماً اختزالها في دوائر انتخابية داخل التراب الوطني.
أما الإنتخابات الجماعية، فالمسألة أكثر تعقيداً.
إن الإنتخابات الجماعية والجهوية تطرح بدورها سؤالاً حول علاقة المواطن المغربي المقيم بالخارج بجماعته الأصلية.
فالكثير من أبناء الجالية يمتلكون عقارات في مدنهم وقراهم، ويستثمرون في مشاريع محلية، ويساهمون في التنمية، ويرتبطون بأسرهم ومناطقهم الأصلية. وبعضهم يتابع عن قرب قضايا الماء والطرق والتعمير والنظافة والنقل والخدمات المحلية.
لكن الإقامة خارج الوطن تجعل مشاركتهم في تدبير الشأن المحلي أكثر صعوبة، خصوصاً عندما لا تتوفر آليات واضحة تضمن لهم مشاركة منتظمة وفعالة في اختيار ممثليهم المحليين.
وهذا يفتح باباً واسعاً للنقاش حول مستقبل العلاقة بين الجالية والجماعات الترابية، هل يمكن التفكير في آليات إستشارية دائمة لمغاربة العالم داخل الجماعات؟ وهل يمكن إشراك الكفاءات المغربية المقيمة بالخارج في المجالس الإستشارية والإقتصادية والثقافية المحلية؟ وهل يمكن أن تصبح الجالية شريكاً في صياغة المشاريع التنموية للمدن والقرى التي تنحدر منها؟
الوكالة الرقمية: خطوة إلى الأمام، لكنها ليست نهاية الطريق،
لا شك أن رقمنة مسطرة الوكالة في إنتخابات 2026 تمثل خطوة مهمة.
فبدلاً من الإجراءات الورقية والتنقل إلى القنصليات، أصبح بإمكان الناخب المغربي المقيم بالخارج إنشاء وكالة إلكترونية، وفق الآليات التي أعلنتها السلطات المغربية، لفائدة ناخب أو ناخبة مسجل في اللوائح الإنتخابية العامة بالمغرب. وقد حُددت فترة استخدام المنصة من 24 غشت إلى 22 شتنبر 2026 بالنسبة للاستحقاق التشريعي.
هذه الخطوة تخفف بالفعل من عبء المسافة والإجراءات، خصوصاً بالنسبة لمن يعيشون بعيداً عن السفارات والقنصليات.
لكن ينبغي التأكيد مرة أخرى أن الوكالة الرقمية ليست تصويتاً إلكترونياً، بل وسيلة تمكن المواطن المقيم بالخارج من تفويض شخص داخل المغرب للتصويت باسمه.
ومن هنا يبقى السؤال مطروحاً، لماذا لا يكون المستقبل هو الإنتقال تدريجياً إلى تصويت مباشر وآمن لمغاربة العالم في بلدان إقامتهم، سواء عبر مكاتب اقتراع قنصلية أو عبر حلول رقمية مؤمنة، متى توفرت الشروط التقنية والقانونية والسياسية لذلك؟



