
أحداث الساعة // محمد الحافظي.
يشكل اليوم الوطني للمهاجر، الذي يخلده المغرب في العاشر من غشت من كل سنة، مناسبة وطنية ذات دلالات عميقة، تستحضر المكانة الخاصة التي تحتلها الجالية المغربية المقيمة بالخارج في وجدان الوطن وفي صلب خياراته الاستراتيجية. فهذه المحطة ليست مجرد موعد احتفالي عابر، بل تعد فرصة متجددة للإنصات إلى قضايا وانتظارات مغاربة العالم، وتعزيز روابطهم ببلدهم الأم، وتثمين أدوارهم الحيوية في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

ومنذ إقرار هذه المناسبة، حرص المغرب على جعلها فضاءً للحوار والتواصل المباشر مع أفراد الجالية المغربية، باعتبارهم امتداداً طبيعياً للأمة المغربية وشريكاً أساسياً في بناء الحاضر وصناعة المستقبل. فالمهاجر المغربي لم يعد فقط ذلك المواطن الذي غادر أرض الوطن بحثاً عن فرص أفضل، بل أصبح اليوم فاعلاً مؤثراً، يحمل صورة المغرب إلى العالم، ويساهم في الدفاع عن مصالحه، كما يظل مرتبطاً بجذوره وهويته وتقاليده.

وتبرز أهمية هذه الذكرى في كونها تسلط الضوء على حجم التحولات التي عرفتها الجالية المغربية بالخارج، سواء من حيث العدد أو من حيث تنوع الكفاءات والاختصاصات. فمغاربة العالم حاضرون في مختلف الميادين، من الاقتصاد والاستثمار إلى العلوم والبحث والثقافة والفنون والرياضة، وهو ما يجعلهم قوة اقتراحية ورصيداً وطنياً ثميناً ينبغي استثماره بالشكل الأمثل.

كما أن اليوم الوطني للمهاجر يشكل مناسبة لإبراز الجهود التي تبذلها الدولة المغربية من أجل تحسين ظروف استقبال أفراد الجالية، وتبسيط المساطر الإدارية المرتبطة بهم، وتطوير الخدمات الموجهة إليهم، سواء خلال عودتهم الصيفية إلى أرض الوطن أو في ما يتعلق بمواكبة ملفاتهم وقضاياهم الاجتماعية والقانونية. وفي هذا الإطار، تحظى قضايا الجالية باهتمام متزايد، انطلاقاً من الإيمان العميق بأن الحفاظ على الصلة بالمهاجر المغربي هو حفاظ على جزء أصيل من الشخصية الوطنية المغربية.

ولا يخفى على أحد أن الجالية المغربية المقيمة بالخارج تلعب دوراً محورياً في دعم الاقتصاد الوطني، من خلال تحويلاتها المالية واستثماراتها المتزايدة، إلى جانب مساهمتها في خلق فرص الشغل ودعم المشاريع التنموية. غير أن أدوارها لا تتوقف عند الجانب الاقتصادي فقط، بل تمتد إلى البعد الإنساني والحضاري، حيث يساهم مغاربة العالم في نشر قيم التسامح والانفتاح والتعايش، ويعكسون في بلدان الإقامة صورة المغرب المتشبث بهويته والمنفتح على محيطه.

إن تخليد هذه الذكرى السنوية يفرض أيضاً التفكير في سبل الارتقاء بالعلاقة بين الوطن وجاليته، والانتقال من منطق التدبير الظرفي إلى منطق الشراكة المستدامة. فالجالية المغربية اليوم في حاجة إلى مزيد من المواكبة، وإلى آليات أكثر نجاعة لتمكينها من المساهمة في الأوراش الوطنية الكبرى، مع الحفاظ في الآن ذاته على ارتباط الأجيال الجديدة من أبناء المهاجرين بلغتهم الأم وثقافتهم المغربية وانتمائهم الوطني.

وفي المحصلة، يبقى اليوم الوطني للمهاجر مناسبة للاعتراف بما قدمه ويقدمه المغاربة المقيمون بالخارج لوطنهم، ولتأكيد أن المغرب لا ينظر إلى جاليته باعتبارها مجرد أرقام أو تحويلات، بل باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من كيانه الوطني. إنها محطة للوفاء والتقدير، ورسالة واضحة مفادها أن المهاجر المغربي، أينما وجد، يظل دائماً في قلب الوطن.



