
جريدة احداث الساعة 24 // الدكتور حميد مومني
على مدى عشرين سنة، رسخ الملتقى العالمي للتصوف مكانته باعتباره أحد الملتقيات العلمية والتظاهرات الدينية والروحية الوازنة على المستوى الوطني والعالمي، وتحول إلى منصة دولية للحوار تجمع العلماء والباحثين والمفكرين من مختلف القارات حول القضايا الكبرى التي تهم الإنسان المعاصر.
ولعل من أبرز الأدوار التي اضطلع بها هذا الملتقى خلال مسيرته الممتدة على مدى عشرين سنة، مساهمته الفاعلة في التعريف بالنموذج الديني المغربي وإبراز خصوصيته الحضارية والروحية، وترسيخ مقوماته القائمة على العقيدة الأشعرية والمذهب المالكي والتصوف السني وإمارة المؤمنين، باعتبارها ثوابت شكلت أساس الوحدة الدينية والاستقرار الروحي للمملكة المغربية عبر تاريخها الطويل. كما قدم هذا النموذج باعتباره تجربة رائدة في الوسطية والاعتدال والتعايش.
ومن أهم ما ميز الملتقى قدرته على استقطاب شخصيات علمية وفكرية مرموقة من مختلف أنحاء العالم، خاصة من المعاهد والجامعات الإسلامية العريقة، وفي مقدمتها الأزهر الشريف وجامعة الزيتونة، إلى جانب علماء وباحثين وأكاديميين من إفريقيا وأوروبا وآسيا والأمريكيتين، وهو ما أكسبه بعداً عالمياً وجعله فضاءً لتبادل الخبرات وتعزيز الحوار بين الثقافات والحضارات.
ولم يكن هذا الإشعاع العلمي والروحي الذي حققه الملتقى على مدى عقدين من الزمن وليد الصدفة، بل ارتبط برؤية فكرية وعلمية واكبت مساره منذ تأسيسه، بإشراف فضيلة الدكتور مولاي منير القادري بودشيش، صاحب فكرة الملتقى ورئيسه. فقد عمل، منذ انطلاقته، على جعله فضاء دوليا للحوار والتفكير المشترك حول القضايا الكبرى التي تواجه الإنسان المعاصر، كما حرص على استقطاب نخبة من العلماء والمفكرين والباحثين من مختلف أنحاء العالم، واختيار الموضوعات المنفتحة على أسئلة العصر وتحولاته.
وقد كان لهذا الإشراف العلمي المتواصل دور بارز في ترسيخ مكانة الملتقى وتطوير مضامينه وتعزيز حضوره داخل المغرب وخارجه.
كما حرص الملتقى، في مختلف دوراته، على مقاربة القضايا الفكرية والأخلاقية والاجتماعية التي تفرضها التحولات المعاصرة، انطلاقاً من رؤية تجعل من القيم الروحية والأخلاقية أساساً لبناء الإنسان وتعزيز الاستقرار والتماسك المجتمعي. وقد أسهم بذلك في فتح نقاشات علمية رصينة حول قضايا الهوية والقيم والتعايش والحوار الحضاري والأمن الروحي، وغيرها من القضايا التي تهم المجتمعات المعاصرة.
وعلى الصعيد الدولي، ساهم الملتقى في تعزيز الحضور الروحي والثقافي للمملكة المغربية، خاصة داخل القارة الإفريقية، وأصبح أحد أبرز روافد الدبلوماسية الروحية المغربية من خلال ما يوفره من فضاءات للتواصل والتعاون والتقارب بين الشعوب، وهو ما أسهم في تعزيز مكانة المغرب وإشعاعه الديني والروحي في محيطه الإفريقي والدولي.
وبعد عشرين سنة من العطاء المتواصل، لم يعد الملتقى العالمي للتصوف مجرد موعد سنوي، بل أصبح فضاءً فكرياً وروحياً يسهم في خدمة الثوابت الدينية والوطنية، ويعزز مكانة النموذج الديني المغربي، وينشر قيم الوسطية والاعتدال والحوار، بما يجعله تجربة رائدة في خدمة الأمن الروحي وترسيخ قيم التعايش والانفتاح في عالم تشتد فيه الحاجة إلى الحكمة والتوازن بين ما هو مادي وفكري وما هو روحي.
زر الذهاب إلى الأعلى