الدكتور محمد نشطاوي: محاولة لفهم بعض أسباب نكبة العدالة والتنمية في اقتراع 8 شتنبر
أ حداث الساعة24/الدكتور محمد نشطاوي
جامعة القاضي عياض
من جاء محمولا على الاكتاف عقب حراك20 فبراير، رغم أنه لم يشارك فيه بل حاربه بقوة، لكنه ركب على موجة الاصلاح، وعاث قصفا وتجبرا على الطبقة المتوسطة وباقي فئات المجتمع المغربي، عبر قرارات مجحفة مست بشكل كبير المعيش اليومي للمواطنين، وتركتهم في مواجهة خيارات ليبرالية لا شعبية متوحشة، خرج بخفي حنين ومن اضيق الأبواب، بل إن البرامكة تفاجؤوا في قبورهم أن نكبتهم اهون مما تعرض له حزب العدالة والتنمية.
ظن موالو هذا الحزب أنهم اكثر ملكية من الملك، وأن القرارات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي اتخذوها ضدا على مصلحة المواطنين، ستشفع لهم لاسترضاء صناع القرار، وان ترك المواطن في مواجهة لوبيات المحروقات والتعليم الخاص والمضاربين في كل المجالات.. سوف لن تؤثر على شعبيتهم، فهم لديهم ناخبيهم الموثوق في ولائهم، ولديهم دراعهم الدعوي القادر على دعمهم مهما كانت الظروف من منطلق “أنصر أخاك ظالما أو مظلوما”، ولديهم مخزون من الجمعيات وجحافل من الباعة المتجولين الذين يكرهون السلطة وتبعاتها، ببساطة لديهم مريديهم الذين لن يتخلوا عنهم أيا كانت الاسباب بما فيها التطبيع مع اسرائيل والتطبيل له.
لكن تآكلت شعبيتهم حتى بين أتباعهم، وكما حملوا على الأكتاف ترحيبا، طردوا إلى مزبلة التاريخ بأسوأ نهاية.
عانى المغاربة طيلة عشر سنوات من حكومة تتخبط في قراراتها المصيرية، ولم تترك قطاعا ولا خدمة إلا وفرضت عليه رسوما ضدا على المرتفقين بل حتى الضريبة على السيارات التي كان الفرد يؤديها سنويا بدون رسوم أصبح مضطرا لكي يؤدي الضريبة وعليها رسوما لاستخلاصها لصالح البنوك “23 درهما + الضريبة، مما مكن البنوك من الحصول لأزيد من مليار درهم هباء وعلى حساب المواطن.
وعانى المواطن أكثر مع ملف المحروقات لأن الحكومة تركته في مواجهة جشع ارباب شركات المحروقات لتغتني على حسابه، ولم تفعل شيئا رغم تبيان مقدار الارباح المحصل عليها من جراء ذلك، ولم تستطع حتى تحديد مصير شركة ” لاسمير” مشردة عمالها وفاتحة المجال أمام الاحتكار المتفق عليه من قبل شركات المحروقات، كما لو ان تطبيق “محطتي” سيفي بالغرض.
كما عانى المواطن مع تطبيع الحكومة مع الفساد، فبدل محاربته، أصبحنا أمام خيار جديد وهو “عفى الله عما سلف”، لأن من سيحاربه وجد أن امتيازات السلطة والكرسي أهم وأفيد، وان التماسيح والعفاريت تأبى الا ان تفشل مراميهم، وبالتالي فاحسن وسيلة لمحاربة الفساد هي التطبيع معه، ثم أن المغاربة حباهم الله بميزة مهمة وهي النسيان، وأن مريديهم سوف لن يتخلوا عنهم مهما فعلوا فهم زبدة الحركة ونخبتها، إنهم لا يخطئون..
عانى المواطن/الموظف مع اقتطاعات بالجملة فيما يتعلق بإصلاح صناديق التقاعد، كما لو انه هو المسئول عن عجزها، وتغاضت عن الاختلالات التي شابت تسييرها، واين صرفت ومن قبل من، والتي يعلم القاصي والداني بأسبابها، بل تم التهويل من مصيرها رغم ان الدراسات المقياسية تقول عكس ذلك.
لقد عانى المغاربة من ضيق افق حكومة عمرت قرابة جيل بكامله، ولولا الخيارات والبرامج والمشاريع الملكية لكنا في خبر كان بسبب حكومة لم تجد من وسيلة لتمويل الميزانية سوى جيوب الموظفين (الحيط القصير) أو الاستدانة دوليا، مما جعلها ترهن مصائر الأجيال القادمة لعشرات السنين.
كما عانى المواطن المغربي من شعارات رنانة وخطابات ومرافعات ذكرتنا بتلك التي كانت ارجاء مجلس النواب تهتز لها عندما كان فتح الله ولعلو يتكلم، لكنها تحولت إلى هراء بعدما فقدت بريقها إثر اصطدامها بإكراهات الواقع والتدبير اليومي، وتحولت شعارات نظافة اليد مع التعايش مع الفساد والتطبيع معه بدعوى الواقعية السياسية والبراغماتية.
كان منتظرا ألا تكون مهمة العدالة والتنمية وإرادتها “إن توفرت لديها” في العمل ومحاربة الفساد، أن تتواجه مع المفسدين، وان تواجه عراقيل في تنفيذ برامجها “ان هي توفرت على برامج عملية”، لكنها بدل التمسك بمبادئها “إن كانت لديها مبادئ” وأن تتخلى بكل شرف ونزاهة عن تحمل المسئولية، لكنها بدل ذلك تعايشت مع الفساد، وراهنت على “نظافة يدها”، مراهنة على تعدد التعويضات والسفريات ومقدرات ميزانية القطاعات التي تديرها كسبيل لتحسين أوضاعها المادية، وتناست أن ذلك في الأصل ريع تم تقنينه، ولا أدل على ذلك التقاعد المريح الذي يتقاضاه زعيمها السابق، وهو الذي طالما ردد شعار الأجر مقابل العمل، وشرد عشرات الآلاف من الأساتذة المتعاقدين إلى يومنا هذا بسبب شعار كان هو الأول من خرقه.
ثم لابد من الاشارة الى مسألة مهمة جدا وهي أن المؤسسة الملكية لا يمكن أن تقبل أن يشاركها أي كان “وان كان حزبا أو جماعة” شرعيتها الدينية، وإن كانت قد قبلت بذلك ولو على مضض غبان حراك 20 فبراير، فإن السياق الوطني والدولي، اصبح لا يطيق حزبا ركب على موجة الحراك وسرق فرصة للإصلاح وزاحم الملكية في شرعيتها، وعاث عبثا في تدبير الشأنين المحلي والوطني.
إنه غيض من فيض، أبعد كل هذا يحق لنا أن نتساءل عن سبب نكبة العدالة والتنمية؟
زر الذهاب إلى الأعلى