
جريدة أحداث الساعة24//خديجة اليازدي
تشكل ذكرى ثورة الملك والشعب، التي يخلد المغاربة قاطبة ذكراها السادسة والسبعين يوم غد الخميس، حدثا بارزا سيظل راسخا في الذاكرة التاريخية للمملكة باعتباره محطة حاسمة في مسيرة الكفاح الوطني من أجل التحرر من نير الاستعمار واسترجاع السيادة الوطنية.
وقدم المغاربة خلال هذه الثورة المباركة نماذج رائعة وفريدة في تاريخ تحرير الشعوب، وأعطوا المثال على قوة الترابط بين مكونات الشعب المغربي، بين القمة والقاعدة، واسترخاصهم لكل غال ونفيس دفاعا عن مقدساتهم الدينية وثوابتهم الوطنية وهويتهم المغربية. ففي 20 غشت 1953، استيقظ الشعب المغربي على خبر نفي جلالة المغفور له الملك محمد الخامس وأسرته الشريفة، من قبل السلطات الاستعمارية الفرنسية، انتقاما من مواقفه الوطنية البطولية. حيث انتفض الشعب المغربي انتفاضة عارمة وتفجر غضبه في وجه الاحتلال الأجنبي رافضا المس بكرامته والنيل من رمز سيادته ووحدته. وسبقت هذه الانتفاضة العارمة بوادر التنسيق بين الحركة الوطنية والقصر الملكي من أجل الدفاع عن استقلال المملكة، وضرب غلاة الاستعمار ومصالحهم وأهدافهم، وهو التقارب الذي أزعج المقيم العام الجديد آنذاك، غليوم، والسلطات الفرنسية، التي بدأت تخشى على وجودها بالبلاد.

ملاحم المغرب الوطنية كثيرة ومتباينة في أزمنتها وأبعادها، تلك التي شكلت منعطفات حاسمة ومفصلية طبعت زمن البلاد ومسارها ومسيرتها السياسية، كذا كفاح المغاربة من أجل ما هم عليه من استقلال ووحدة واستقرار وذاكرة. ولعل من محطات البلاد الرمزية التاريخية التي ستظل بمكانة خاصة محفوظة لدى اجيال متعاقبة، ملحمة ثورة الملك والشعب التي اندلعت قبل ثمانية وستين سنة زمن الحماية، عندما تجاورت سلطات الاقامة العامة الفرنسية مداها وامتدت أياديها يوم عشرين غشت ألف وتسعمائة وثلاثة وخمسين، الى رمز الأمة وسيادة البلاد ووحدتها المغفور له السلطان محمد بن يوسف، بإقدامها على نفيه وأسرته وإبعاده عن عرشه ووطنه معتقدة أن بجرأتها واجراءها هذا ستوقف كفاح المغاربة من اجل الاستقلال وستفكك ما هناك من ترابط وثيق بين عرش وشعب. فما حصل كان عكس نواياها ودسائسها الاستعمارية وكان بداية نهاية نظام حمايتها، من خلال ما أبان عنه الشعب من صمود عبر تضحيات جسيمة ووقفة قوية في سبيل عزة البلاد وكرامتها وسيادتها ومقوماتها وشرعيتها، كذا عودة رمز الأمة والحرية والاستقلال.
و احتفاء بهذا الفصل من فصول تاريخ البلاد الوطني، واحتفاء بثورة الملك والشعب التي كان خطاب طنجة الشهير فتيلها ايذانا بقطع حبل المغرب مع نظام الحماية قطعاً نهائياً عندما قال عنه “ايريك لابون” المقيم العام آنذاك “لقد قضي الأمر في طنجة”، ومن ثمة بداية أزمة مغربية فرنسية تسارعت أحداثها صوب قطيعة طبعها تجاهل سلطات الحماية الفرنسية لحق المغرب في الاستقلال، ما عزم السلطان محمد بن يوسف خوض نضال من أجله لاسترجاع سيادة البلاد كاملة. وعليه، ما أقدمت عليه من مؤامرة تجلت في عزله ونفيه، ذلك النبأ الذي تلقاه الشعب بمظاهرات عارمة ملأت كل جهات البلاد.
وعليه، نستحضر جملة ملاحم خالدة شهدها المغرب في مواجهته لتسرب استعماري منذ القرن التاسع عشر، خاصة بعد احتلال الجزائر سنة ألف وثمانمائة وثلاثين، متوقفا عند احداث معبرة بطبيعة تضامنية مغربية طبعت هذه الفترة من قبيل معركة إيسلي. وكذا زمن الحماية الفرنسية من خلال وقائع وصور أبانت بجلاء عن تلاحم عرش وشعب دفاعاً عن استقلال البلاد ووحدتها، مرورا على حدث زيارة السلطان محمد بن يوسف طيب الله ثراه إلى مدينة فاس بداية شهر ماي من سنة ألف وتسعمائة وأربعة وثلاثين، زيارة تاريخية قال عنها أنها أشرت على تناغمٍ وارتباطٍ بين ملك وحركة وطنية. ثم حدث نفي السلطان وأسرته الشريفة إلى كورسيكا ثم مدغشقر، كحدث فاصل قال شكل فجر ثورة عارمة قادها الشعب المغربي دفاعا عن ملكه ووطنه، ثم مظاهر المقاومة المغربية المسلحة كذا الحركة الفدائية التي قادتها خلايا ومنظمات، مثل منظمة اليد السوداء وخلية عبد الله الشفشاوني بمدينة فاس التي لقنت المستعمر دروسا في التضحية والفداء رغم كل أشكال القمع والتنكيل وأحكام الإعدام التي أصدرتها محاكم الحماية الفرنسية في حق الوطنيين والفدائيين.
وكانت مدينة فاس قد شهدت أحداث مواجهة بين المغاربة والاستعمار، بدءً بحدث توقيع معاهدة الحماية في ثلاثين مارس ألف وتسعمائة واثنا عشر، كذا صدمة ساكنة فاس التي ترجمت بانطلاق أول مقاومة شعبية مغربية لعلها ”أيام فاس الدامية” خلال ابريل من نفس السنة، وما تلى ذلك من تكوين جيل ممانع متشبع بفكر تحرري نتج عنه تأسيس حركة وطنية فعلية دخلت في مواجهة مفتوحة مع الإقامة العامة الفرنسية، مسجلة ملاحم بطولية في أحداث ظهير السادس عشر ماي ألف وتسعمائة وثلاثين، كذا تأسيس الاحتفال بعيد العرش وتقديم دفتر مطالب الشعب المغربي، فضلاً عن حركات احتجاجية سلمية سنة ألف وتسعمائة وستة وثلاثين وألف وتسعمائة وسبعة وثلاثين وفي سنة ألف وتسعمائة وأربعة وأربعين بمدينة فاس العتيقة. أما إثر نفي السلطان الشرعي محمد بن يوسف سنة ألف وتسعمائة وثلاثة وخمسين- يقول الباحث-، فقد تم نقل المواجهة إلى مدينة فاس الجديدة بعد تكوين خلايا فدائية نفذت عمليات جريئة أذهلت سلطات المدينة رغم كل ما كانت عليه من أشكال ضغط وعنف ورقابة.
هذه هي ملحمة عشرين غشت ألف وتسعمائة وثلاثة وخمسين التي أطلق عليها المغفور السلطان محمد بن يوسف اسم”ثورة الملك والشعب” في ذكراها الثالثة بعد عودته من المنفى، فكان رحمه الله وراء قرار الاحتفاء بالحدث وتخليده سنويا وهو ما لم ينقطع منذ استقلال البلاد الى الآن. وهكذا هي هذه المناسبة الوطنية المجيدة التي تروم التذكير بما خاضه العرش والشعب من نضال من اجل استقلال البلاد، كذا التذكير بما ينبغي من يقضة وتعبئة دفاعاً عن حوزة البلاد من جهة ونهوضا وخدمة لكل مجالاتها من جهة ثانية.
وهكذا هي ذكرى ثورة الملك والشعب التي لا تزال رمزيتها بحاجة لحضن أكثر من أجل أجيالِ حاضرِ ومستقبل، ليس فقط لتعميق صورة هذه الملحمة في اذهان هؤلاء انما أيضا لاطلاعه على صفحات مشرقة من كفاح سلف، وابراز تضحيات وبطولات شهداء ومقاومين فدائيين حتى تتزود الناشئة بمعاني الوطنية الحقة وتتعرف على ما يزخر به تاريخ المغرب من ارث رمزي وحمولة مثل عليا وقيم وفاء وحب وطن. وهكذا أيضاً أحيت واحتفت المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير من خلال مندوبيتها الجهوية بفاس، بثورة الملك والشعب في ذكراها الثامنة والستين. مستحضرة قيمة ودلالات الحدث الوطنية، مستهدفة ببرنامجها الاحتفائي تنوير الأجيال حول كيف كان سلف البلاد وكيف ينبغي أن يكون خلفها تجاه وطن وقضايا وطن.
وفي هذا السياق، تشكلت الخلايا الفدائية والتنظيمات السرية وانطلقت عمليات المقاومة التي أدت إلى استشهاد العديد من الوطنيين الأحرار، من أمثال علال بن عبد الله (11 شتنبر 1953) الذي استهدف صنيعة الاستعمار ابن عرفة، والعمليات الشهيرة للشهيد محمد الزرقطوني ورفاقه في خلايا المقاومة بالدار البيضاء، وعمليات مقاومين ومجاهدين بمختلف مدن وقرى المغرب لتتصاعد وتيرة الجهاد بالمظاهرات العارمة والانتفاضات المتوالية وتتكلل بانطلاق جيش التحرير بشمال المملكة في أكتوبر 1955.
وكان من نتائج وتبعات الحملات القمعية والمضايقات والملاحقات التي مارستها سلطة الاحتلال تجاه الوطنيين المناضلين الأبطال، أن سقط عشرات الشهداء ومئات الجرحى، إلا أن ذلك لم يثن الشعب المغربي الأبي عن مواصلة كفاحه الوطني لعودة ملكه الشرعي وأسرته الكريمة من المنفى إلى أرض الوطن وإعلان الاستقلال.
وبفضل هذه الثورة المباركة والعارمة، لم يكن من خيار للإدارة الاستعمارية سوى الرضوخ لإرادة العرش والشعب، فتحقق النصر المبين، وعاد الملك المجاهد وأسرته الشريفة في 16 نونبر 1955 من المنفى إلى أرض الوطن، لتعم أفراح العودة وأجواء الاستقلال وتباشير الخير واليمن والبركات سائر ربوع وأرجاء الوطن، وتبدأ معركة الجهاد الأكبر الاقتصادي والاجتماعي لبناء وإعلاء صروح المغرب الحر المستقل وتحقيق وحدته الترابية.
وسيرا على نهج والده المنعم، خاض جلالة الملك المغفور له الحسن الثاني، معركة استكمال الوحدة الترابية، فتم في عهده استرجاع سيدي إفني سنة 1969، والأقاليم الجنوبية سنة 1975 بفضل المسيرة الخضراء المظفرة، التي تعتبر نهجا حكيما وأسلوبا حضاريا في النضال السلمي لاسترجاع الحق المسلوب، وفي غشت من سنة 1979 تم تعزيز استكمال الوحدة الترابية باسترجاع إقليم وادي الذهب.
وإذا كانت هذه الملحمة قد شكلت بالأمس ثورة للتحرر من نير الاستعمار، فإن المغرب يشهد اليوم، تحت القيادة النيرة والمتبصرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، ثورة هادئة على درب تحقيق نهضة كبرى على المستويين الاقتصادي والاجتماعي، وترسيخ قيم الحداثة والديمقراطية، وتعزيز مكانة المغرب الإقليمية والدولية، وتفعيل آليات صيانة حقوق الإنسان.
وستظل ملحمة ثورة الملك والشعب، بالنظر لما حملته من عبر ودروس ودلالات عميقة، ممثلة في قيم الوفاء والتضحية وحب الوطن والاعتزاز بالانتماء إليه، راسخة في ذاكرة المغاربة حيث جسدت بامتياز ذلك التلاحم القوي بين العرش والشعب الذي لا يزداد مع مرور الحقب والأزمنة إلا قوة ورسوخا.