طقوس “عاشوراء “وفرجة “امعشار “بتزنيت
بازغ لحسن //جريدة احداث الساعة 24
يحتضن المغرب ثروة هائلة من العادات والتقاليد ضمنتها الاجيال السابقة تجاربها وثقافتها ،وما اكثر هذا النوع من من الابداعات الشعبية والطقوس الاحتفالية التي تندرج في اطار تقاليد وعادات المناطق ،ومثال هذه الطقوس الاحتفالية ظاهرة امعشار التي تقام في عاشوراء من كل سنة “في العاشر من محرم ليلة عاشوراء من التقويم القمري الى السابع عشر من كل سنة ” في الجنوب المغربي خاصة في ناحية تزنيت وافران الواقعة على بعد 40 كلم من بويزكارن ،كما تقام ايضا بايت وافقا واذا وسملال وغيرها .
وفي مدينة تزنيت ادخل عليها الشباب تعديلات كثيرة افقدوها الكثير من عناصر الاصالة والجمالية وأفرغوها من محتواها ،وهذه الظاهرة هي “امعشار “تمتد اسبوعا كاملا بدءا من يوم عيد عاشوراء يجوبون فيها القرى القريبة منزلا منزلا وهم عادة اما فرقة واحدة كما في افران الصغير وقد يشكلون فرقتين فأكثر بمناطق اخرى ،تتكون كل واحدة الخمسة عشر فردا ويختلف عددهم باختلاف المناطق يلتقي اعضاؤها قبل عاشوراء بأسبوع لإعداد مايلزم من ملابس وأدوات حرفية كأدوات الحدادة والصياغة وخياطة الرادع حيث يقومون خلال جولتهم بتقليد محترفي تلك الصنائع من اليهود ويتخذون كمقر لهم حجرة او منزلا مهجورا يسمونه “المعارة ” يمنع على اي كان دخوله ويبيتون فيه خلال تلك الايام يتناولون وجبات البيض والبصل لاغير ،وهناك يتم ارتداء الملابس والأقنعة الخاصة بامعشار وتتكون من الاقنعة من جلد الخروف والنعجة ذات لحى طويلة ،وتكون لحية “الحزان “اطولها ويرتدون اسمالا رثة ،وبعد ارتداءهم لتلك الملابس والأقنعة يصبح متعذرا على اقرب الناس اليهم التعرف عليهم ،وبمجرد وصولهم الى كل قرية او مدشر يؤدون رقصة يهودية في المرقص “اسايس “يرددون خلالها ابياثا شعرية يتلفظون فيها باقدح العبارات يستجيب لها الحضور بعاصفة من الضحك والصياح والصفير ،وتجدر الاشارة الى ان انشادهم لتلك الابيات يصاحبه ايقاع تستعمل فيه بنادير وهروات غليظة وطويلة ،يحمل الحزان اطولها وأغلظها يدقون بها الارض اثناء ترداد ابياتهم ،ويصحبون ذلك كله بتصفيق بالأيدي منظم حسب الايقاع المذكور،الى جانب صيحات وزعاق خشن يصدرونه مرافقا لكل ذلك ،مقلدين في اصواتهم طريقة نطق اليهود “1”،وتنطلق هذه الفرجة من حوالي التاسعة او العاشرة ليلا الى الصباح يتقمصون اثناءها ادوار اليهود سلوكا واعتقادا ،الى ان يقوموا في الصباح بالعودة الى اسلامهم على يد رجل مسلم مرافق لهم يرتدي لباسا عاديا ويحمل كيسا يضع فيه ما جمعوه في جولتهم من نقود وسكر …..
وما لفت انتباهي في هذه الظاهرة هو ما يتخلل جولة امعشار من نقد لادع لأخلاق وقيم الافراد والجماعات مما جعل الناس يترقبون سماع اسرار بعضهم البعض من افواه امعشار ،الذين يصرون في كل منطقهم على طرح الحشمة والحياء والوقار وهذا ما يحثم على كل واحد من امعشار ان يحرص على ان لايعرف من صوته ولذلك ينطق بصوت غريب يقلد فيه النطق اليهودي بشكل كاريكاتوري ،وإذا وقع ان تم اكتشاف احدهم ومعرفة هويته يتحتم عليه مغادرة امعشار والتخلي عن دوره بينهم .
ومن بين ما يقوم به امعشار ايضا تلقي “زيارات “سكان القرى ويتسلمون منهم نقودا ودبائح مقابل دعائهم لهم قصد الانجاب او عودة مهاجر مغترب او الشفاء من مرض عضال ،ويتم ذلك امام ابواب المنازل .
اثناء الجولة في المرقص بعد الفرجة يقول “الحزان “مثلا :
الموسلغين تحرماون تفيي ن لغلمي احلاياون ميضروس .”2″
وقد تساءل كثير من الناس عن موقف علماء المنطقة وفقهاءها من هذه الظاهرة ،فاخبروا بان المرحوم العلامة الطاهر الافراني كان يستقبلهم ويمنحهم من عطاياه ويسمعونه كل فاحش وهو يضحك من كلامهم الى ان ينصرفوا وكذلك فعل ابنه محمد ابن الطاهر الافراني ،ولما سالت خلال زيارتي هناك ان كان اليهود يمارسون فعلا هذه الطقوس الساخرة اخبرت بخلاف ذلك ،فعلمت ان الظاهرة هي عبارة عن تقليد ساخر من المسلمين لليهود ولبعض جزئيات حياتهم كما علمت بان امعشار كانوا يقومون في السابق بزيارة اعضاء الطائفة اليهودية في اماكن تجمعهم،حيث يمثلون امامهم نفس الادوار الساخرة واليهود يضحكون من عروضهم ثم يمنحوهم عطايا وينصرفون .
وإذا حدث ان التقت مجموعتان من امعشار فان المبارزة بينهما تكون حامية الوطيس .
تحدث بين “حزاني “كل من الفرقتين مبارزة بالأبيات الشعرية والأمثال المأثورة ،الى ان ينتصر احدهما منتزعا تصفيقات جمهور الحاضرين وتشجيعا تهم .
وفي نهاية احتفاليات امعشار يقومون بجمع كل ما حصلوا عليه في جولتهم وإقامة وليمة يستهدفون منها احتفال الجميع بانتهاء عروض امعشار ،حيث يتم اقامة حفل راقص يمارسون فيه الانشاد والتوقيع على آلاتهم الايقاعية في احواش ،بمشاركة سكان القرى التي مر منها امعشار ،ويحضر امعشار هذه المأدبة الاخيرة بدون اقنعتهم وأدواتهم مما يجعل صعبا التعرف على الاشخاص الذين تقمصوا ادوار امعشار .
الهوامش :
1_امعشار :رمز الاحتفال والنقذ الاجتماعي ذ محمد مستاوي
2_ احتفالات “امعشار “طقوس تنكرية ليلية في ثرات تزنيت ذ بازغ لحسن
زر الذهاب إلى الأعلى